
لم يكن يخطر ببال أحد أن يستيقظ يوما على دعوات تطالب بتقنين البغاء أو منح العلاقات المحرمة غطاء قانونيا تحت مسميات براقة مثل “الحقوق” و”الحريات الشخصية”. فبينما ناضلت أجيال من النساء الشريفات من أجل حقوق حقيقية تحفظ كرامة المرأة وترفع مكانتها، خرجت أصوات تحاول أن تعيدها إلى مربع الاستغلال والابتذال، وكأن تحرير المرأة أصبح مرادفا لتحويل جسدها إلى سلعة تباع وتشترى بعقد أو مقابل مادي.
والمثير للدهشة أن هذه الدعوات تطرح باسم “حقوق المرأة”، بينما تاريخ الحركة النسائية المصرية يخبرنا بشيء مختلف تماما. فقد ناضلت رائدات مثل هدى شعراوي ودرية شفيق وملك حفني ناصف من أجل حقوق حقيقية تتمثل في التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية والسياسية ورفع مكانة المرأة داخل المجتمع. ولم يكن هدفهن يوما تحويل المرأة إلى سلعة أو اختزال قيمتها في جسدها، بل تمكينها بالعلم والثقافة والكرامة لتكون شريكا فاعلا في بناء الوطن.
لقد كانت قضية حقوق المرأة في مصر مرتبطة دائما بالارتقاء بالإنسان وبناء المجتمع، لا بتفكيك منظومته الأخلاقية. فالمرأة المصرية أثبتت عبر العقود قدرتها على النجاح في مختلف المجالات العلمية والثقافية والاقتصادية والسياسية، وأصبحت نموذجا للعطاء والكفاءة دون أن تتخلى عن قيمها أو كرامتها.

اعرف أكثر
تتلاعب بالتعبيرات وتنفي تهمة تقنين الدعارة : هل تشطب نقابة المحامين نسمة الخطيب من عضويتها؟
إن الحقوق الحقيقية للمرأة تتمثل في التعليم الجيد، والعمل الكريم، والحماية من العنف والاستغلال، وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، أما تحويل الجسد إلى وسيلة للكسب أو محاولة إضفاء الشرعية على استغلاله فلا يمكن اعتباره انتصارا للمرأة أو تقدما للمجتمع، بل تراجعا عن المبادئ التي تحفظ للإنسان مكانته وكرامته.
إن المجتمعات التي تتهاون في ثوابتها الأخلاقية تحت ضغط الشعارات البراقة تدفع ثمن ذلك لاحقا في صورة أزمات اجتماعية وأسرية وقيمية متفاقمة. فالأخلاق ليست عائقا أمام التقدم كما يحاول البعض تصويرها، بل هي الأساس الذي يحفظ استقرار المجتمع ويحمي أفراده من الفوضى والانهيار.
فالمرأة ليست سلعة تسعر، ولا جسدا يتاجر به، بل إنسان كامل القيمة والكرامة، له عقل وقدرات وطموحات وإنجازات. وكل دعوة تختزل المرأة في جسدها أو تجعل من استغلالها مشروعا قانونيا، إنما تمثل انتقاصا من مكانتها الإنسانية قبل أن تكون اعتداء على قيم المجتمع.

وفى النهاية سيظل المجتمع المصري قويا ما دام متمسكا بقيمه وأخلاقه وهويته الحضارية، ولن تنجح محاولات الفساد أو دعاة الانحلال في طمس هذه القيم أو تشويهها تحت أي مسمى. فليس كل ما يقال تحت شعار الحرية يعد تقدما، ولا كل ما يسوق باسم الحقوق يمثل إنصافا للإنسان.
إن مسؤولية حماية المجتمع لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل هي مسؤولية كل صاحب ضمير وكل أب وأم ومثقف وإعلامي ومرب.ولذلك يجب التصدي لكل محاولة تسعى لتحويل المرأة إلى أداة للكسب والمتاجرة، والدفاع عن مفهوم الحقوق الحقيقي الذي يصون الكرامة الإنسانية ويرتقي بالمجتمع، لأن الأوطان لا تبنى بالشهوات والأهواء، وإنما يبنى بالأخلاق والعلم والعمل والوعي.
