
رسالة بآلاف الدولارات
“مساء الخير، مع حضرتك وكالة (بدون ذكر أسماء)، نتواصل مع حضرتك بخصوص الانضمام للعمل معنا والتعاون المشترك وتحقيق دخل بآلاف الدولارات”.
كانت هذه الرسالة التي تلقيتها عبر تطبيق تيك توك، تعرض عليّ الانضمام إلى إحدى الوكالات التي تتولى صناعة النجوم والمؤثرين على هذا التطبيق، مقابل تحقيق أرباح مالية بآلاف الدولارات.
ربما لو عُرض عليّ هذا الأمر قبل سنوات، لكنت فكرت في قبوله، لو كان ما سأقدمه عبر هذا التطبيق لا يتعارض مع قيمي وأخلاقي ومبادئي.
لكن بعد أن أصبحنا نرى ونسمع عن الوجه الآخر لهذا العالم، وعن اتهامات باستغلال بعض الوكالات ومنظومات الهدايا الرقمية في أنشطة مالية مشبوهة، لم يعد الأمر مجرد فرصة لتحقيق دخل أو اكتساب شهرة.
اعرف أكثر
مدبولي يلتقي مفتي الجمهورية..والإعلان الأبرز: إطلاق “حَصِين” بأكثر من 10 ملايين فتوى وذكاء اصطناعي
خلف الوعود البراقة
فخلف الوعود البراقة بالأرباح الدولارية قد تختبئ تفاصيل لا يعرفها كثيرون، وعقود والتزامات قد تجعل صانع المحتوى أسيراً لشروط لا يدرك عواقبها إلا بعد فوات الأوان.
كما أن هناك تساؤلات جدية حول دور بعض هذه الوكالات في توجيه المحتوى، وصناعة نجوم لا نعرف أحياناً كيف ظهروا، ولا من أين حصلوا على كل هذا الدعم.

عودة “شاكر محظور”
ومنذ أيام، عاد اسم التيك توكر محمد شاكر، المعروف إعلامياً باسم “شاكر محظور”، إلى صدارة المشهد، بعد خروجه من محبسه على ذمة قضايا واتهامات من بينها غسل الأموال، ليطل على متابعيه من جديد عبر بث مباشر على تيك توك.
وما إن بدأ البث حتى انهالت عليه الهدايا الرقمية، من أسود وفهود وغيرها من الهدايا التي تتحول إلى أرصدة مالية، وسط تقديرات متداولة لقيمتها وصلت إلى عشرات الملايين، وتحدث البعض عن أرقام بلغت عشرين مليون جنيه، بينما ذهبت تقديرات أخرى إلى مئة مليون، دون وجود تأكيد رسمي مستقل لهذه الأرقام أو لصافي ما حصل عليه.
وهنا انقسمت الآراء، فهناك من تساءل: ماذا يقدم هذا الشاب حتى تنهال عليه كل هذه الأموال؟ وكيف يمكن لشخص أن يحصل خلال ساعات على ما قد لا يجنيه آخرون طوال سنوات من العمل؟
وفي المقابل، دافع آخرون عنه باعتبار أن لديه جمهوراً ومحبين من مصر ومختلف الدول العربية، وأن من حق متابعيه دعمه بالهدايا التي يريدونها.
اعرف أكثر
من البلاغات إلى النيابة
لكن المسألة لم تعد مجرد اختلاف في وجهات النظر حول شخص يستحق الشهرة أو لا يستحقها، خاصة بعدما تقدم محامون ببلاغات تطالب بفحص مصادر هذه الأموال والتحقق من مشروعيتها، ثم تقررت إحالة أحد البلاغات إلى نيابة الشؤون المالية وغسل الأموال لبدء التحقيق والفحص.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل نحن أمام جمهور قرر دعم شخص يحبه، أم أن هناك تدفقات مالية تستحق أن نعرف مصدرها الحقيقي؟ ومن الذي يدفع هذه الأموال؟ وهل تنتهي بالفعل في حسابات أصحاب البث المباشر، أم أن هناك أطرافاً أخرى تقف خلف المشهد؟

تحذير المحامي حسن شومان
وفي هذا السياق، لفت انتباهي تعليق المحامي حسن شومان، الذي تناول فيه خطورة استغلال البث المباشر والهدايا الرقمية في عمليات غسل الأموال، مشيراً إلى أن القضية أكبر بكثير من مجرد شخص يستقبل هدايا على شاشة هاتفه.
وطرح شومان تساؤلاً مهماً: هل نكتفي بالتحقيق مع الشخص الذي استقبل الأموال، أم نبحث أيضاً عمن موّل هذه الهدايا ومن يقف وراءها؟
فبحسب ما أوضحه في رأيه القانوني، فإن الاشتباه في غسل الأموال لا يتوقف عند قيمة المبالغ التي ظهرت على الشاشة، وإنما يمتد إلى تتبع مصادرها ومسارات انتقالها، والكشف عن الممول الحقيقي والمستفيد النهائي، وما إذا كانت هناك حسابات منسقة أو اتفاقات لإعادة توزيع أموال متحصلة من أنشطة إجرامية.
كما أشار إلى ما أُثير في الولايات المتحدة بشأن تحقيقات داخلية مرتبطة بمنصة تيك توك، عُرفت باسم Project Jupiter، وما ورد في دعاوى قضائية من اتهامات باستغلال البث المباشر والهدايا الرقمية في أنشطة غير مشروعة، من بينها غسل الأموال والاحتيال والاتجار بالمخدرات.
وأشار كذلك إلى أن قانون مكافحة غسل الأموال رقم 80 لسنة 2002 لا يجعل مرور الأموال عبر منصة إلكترونية أو قناة دفع رسمية دليلاً على مشروعيتها، فالعبرة بحقيقة مصدر الأموال، وما إذا كانت متحصلة من نشاط إجرامي، ومدى توافر الأركان القانونية للجريمة.
اعرف أكثر
د.حياة عبدون تسطر: حتقولوا لربنا إيه؟!
لا تتوقفوا عند من أمام الكاميرا
وهنا أعتقد أن جوهر القضية يكمن في ضرورة ألا تتوقف التحقيقات عند الشخص الذي يظهر أمام الكاميرا، بل أن تمتد إلى كل من يقف خلف حركة الأموال، إذا كشفت الأدلة عن وجود شبهة تستدعي ذلك.
فصاحب البث قد يكون مستفيداً من أرباح مشروعة، وقد يكون طرفاً في مخالفة، وقد يكون مجرد واجهة ضمن شبكة أكبر، ولا يمكن الجزم بأي من هذه الاحتمالات إلا من خلال التحقيقات والأدلة.

قضية الوعي.. الأخطر من القانون
لكن بعيداً عن الجانب القانوني، هناك قضية أخرى لا تقل خطورة، وربما تكون أكثر تأثيراً على مستقبل المجتمع، وهي قضية الوعي.
كيف نقنع جيلاً كاملاً بأن العلم والعمل والاجتهاد هي طرق بناء المستقبل، بينما يرى أمامه نماذج تحقق في ساعات أموالاً وشهرة قد لا يستطيع موظف أو صاحب مهنة تحقيقها في سنوات؟
كيف نشرح لشاب يعمل ليل نهار من أجل بناء مستقبله أن النجاح لا يُقاس بعدد المتابعين، ولا بقيمة الهدايا التي تظهر على الشاشة، ولا بعدد الأشخاص الذين يتسابقون لإرسال أسد أو فهد في بث مباشر؟
فالخطورة الحقيقية ليست في أن يصبح شخص مشهوراً أو أن يحقق أرباحاً من نشاط رقمي مشروع، فهذا حق لا جدال فيه، وإنما في أن تتحول بعض النماذج المثيرة للجدل إلى قدوة لجيل يبحث عن الطريق الأسرع إلى المال، دون أن يسأل نفسه عن قيمة ما يقدمه أو الثمن الذي قد يدفعه مقابل تلك الشهرة.
فالشاب الذي يشعر بالعجز أمام هذه المقارنات، ويرى أن سنوات تعبه لا تساوي دقائق من بث مباشر، قد يفقد إيمانه بقيمة العمل، وربما يعتقد أن عليه التخلي عن مبادئه أو تقديم محتوى لا يشبهه حتى يصل إلى ما وصل إليه الآخرون.
الوكالات.. واستقطاب الشباب
ولا يمكننا أيضاً أن نتجاهل دور بعض الوكالات التي تستقطب الشباب بوعود الأرباح الدولارية وصناعة النجومية، دون أن يعرف هؤلاء حقيقة طبيعة النشاط الذي ينضمون إليه، أو يدركوا حدود مسؤولياتهم والتزاماتهم.
إننا أمام عالم يحتاج إلى رقابة حقيقية، ووعي أسري وإعلامي، وتطبيق للقانون على الجميع دون استثناء، حتى لا تتحول منصات التواصل إلى مساحة تختلط فيها الشهرة بالثراء السريع، والترفيه بالأنشطة المشبوهة، ويصبح من الصعب على الأجيال الجديدة التمييز بين النجاح الحقيقي والوهم المصنوع.
اعرف أكثر
إيران تحدد مصير ترامب وخليفته: يوم طويل يرسم صورة الحكم الجديدة في الولايات المتحدة
القضية ليست شاكر وحده
فالقضية ليست شاكر وحده، وليست في عدد الأسود والفهود التي ظهرت على شاشة هاتفه، وليست حتى في الملايين التي يتحدث عنها الناس.
القضية الحقيقية هي: من يصنع هؤلاء النجوم؟ ومن يمول شهرتهم؟ ومن يستفيد من وراء الشاشة؟
وما أخشاه أن نصل إلى يوم يصبح فيه حلم أبنائنا أن يكونوا مشاهير على تيك توك، لا علماء أو أطباء أو مهندسين أو أصحاب رسالة، وأن يصبح معيار النجاح لديهم هو ما يدخل الحسابات، لا ما يضيفونه إلى عقولهم ومجتمعهم.
