منتدى عبد الله كمال للصحافة والإعلام والفكر/أروى محمد
ما حدث بعد لقاء المؤثرين بوزارة الدولة للإعلام، كان أهم من اللقاء نفسه: انقسم الرأي العام الإعلامي إلى معسكرين، أحدهما يحتفي بالاعتراف الرسمي بواقع جديد، والآخر يرى في اللقاء إعلان وفاة للصحافة والإعلام التقليديين، واستبدالهما بالفراغ الافتراضي.
والحقيقة، كما تكشفها شهادات الحاضرين وردود الفعل الموثقة، أعقد من هذا التبسيط، وأخطر منه.
شهادة من الداخل.. ماذا قال صانع المحتوى للوزير؟
أحد الحاضرين، وهو كاتب وصانع محتوى علمي منذ أكثر من 12 عامًا، صاحب سلسلة مقالات تحولت إلى كتاب «الله لا يرمي النرد»، وروايات مثل «كتاب الشمس» و«التنظيم» و«خلف حافة الكون»، ومقدم محتوى على قناة «فيزيكس بالعربي»، وكاتب سيناريو في منصات إعلامية عربية، قال في شهادته المنشورة بعد الاجتماع، إنه تحدث أمام الوزير عن «فجوة ثقة» بين الدولة والشعب.

نص كلمته، كما أوردها هو:
> «معالي الوزير، الحكومة والدولة المصرية للأسف لديها مشكلة، وهي أن هناك فجوة ثقة كبيرة بينها وبين الشعب المصري.. والفجوة هذه سببها الرئيسي هو أن الناس لا تصدق الإعلام الرسمي للدولة، ولا الكوادر الإعلامية التي تخاطب المواطنين من خلال التلفزيون، إلا من رحم ربي طبعًا، وهذا ما فتح مجالًا كبيرًا للشائعات، ولتنامي الحرب الإعلامية على مصر، التي تتم إدارتها وتوجيهها من الخارج».
وأضاف أن مصر، في تقديره، هي الدولة الوحيدة التي تُخصص لها قنوات كاملة تتحدث عنها 24 ساعة بتمويلات ضخمة، وأن المواجهة كان يجب أن تكون بملف إعلامي قوي، لكن تراجع الثقة في الإعلام الرسمي أدى إلى الاحتقان وتراجع التأثير.
ولم يستثنِ الصحافة المقروءة من النقد. قال إن بعض المنصات أصبحت تسعى وراء «الريتش والتريند»، وتنقل أخبارًا مغلوطة، وضرب مثلًا بقائمة مفبركة سُرّبت قبل الاجتماع، تضمنت أسماء «دون المستوى»، وأثارت غضبًا وسخرية، دون محاسبة لمن نشرها، على حد قوله. وأضاف أن كثيرًا من المواقع تنقل أخبار التيك توكرز وأصحاب اللايف، وهم أنفسهم من صنعوا انتشارهم.
ومن هنا، يرى صاحب الشهادة، أن من تصدى في الشهور الأخيرة للحملات التي استهدفت إثارة فتنة داخل المجتمع المصري، أو بين المصريين والشعوب العربية، لم يكن الإعلام الرسمي ولا الصحافة، بل صناع محتوى محترمون، اكتسبوا رصيد ثقة عند الناس، وأصبح منشور واحد أو فيديو بالموبايل من أحدهم أكبر تأثيرًا من قنوات كاملة، «بالصدفة البحتة»، دون تخطيط مسبق.

ولهذا، يقول، انتبهت الدولة أخيرًا، وقررت أن تستمع إليهم، لأن «العالم تغير، والصحافة والتلفزيون لم يعودا هما الأساس في عالم السوشيال ميديا».
هذه الشهادة صادقة في وصفها لأزمة الثقة، لكنها، إذا أُخذت وحدها، تصبح نصف الحقيقة. والنصف الآخر يقوله المنطق العلمي، وتقوله تجارب الانتخابات الكبرى في العالم.
ما الذي أثار الجدل فعلًا؟
لم يكن الجدل حول اللقاء في حد ذاته فقط، بل حول ثلاث نقاط انفجرت داخله وبعده:
الإساءة للصحفيين داخل الاجتماع
اتهم صانع محتوى مثير للتساؤلات بسبب أنشطته المتجاوزة، بعض الصحفيين بنشر أخباره مقابل أموال، فاعترض البعض، وطالبوه بالتوقف والاعتذار، حتى تدخل الوزير رشوان وقاطع هذا الشخص معترضًا، فعدّل عبارته إلى «بعض الصحفيين».
وعلّق نقيب الصحفيين خالد البلشي بأن النقابة «أكبر من أن تكون طرفًا في معارك تستهدف الشهرة والانتشار»، وأن ردود فعل الصحفيين المعترضين كافية للتعبير عن موقف الجماعة الصحفية.

وقال سكرتير عام النقابة جمال عبد الرحيم إن إنشاء شعبة للمؤثرين تحت مظلة النقابة «مخالف لقانون نقابة الصحفيين» رقم 76 لسنة 1970، ولا يملك أحد مخالفة شروطه.
معيار الاختيار: المؤثر أم المنتشر؟
قالت أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة سارة فوزي إن نحو 25% فقط من المجموعة التي التقى بها الوزير يقدمون محتوى هادفًا متخصصًا جيدًا، بينما يدور محتوى الباقين حول التندر أو السخرية أو الدخول في معارك لجذب المتابعين، وإن «عدد المتابعين ليس معيارًا». ونبّه خبير الإعلام الرقمي معتز نادي إلى ضرورة التفرقة بين «المؤثر» و«المنتشر».
وهنا نصل إلى قلب القضية العلمية.
دعنا نتحدث بمنطق علمي منضبط
الانتخابات الأمريكية الأخيرة، ومن قبلها الإسرائيلية والبرازيلية، وسائر الانتخابات في مختلف الدول قبلها وبعدها، لا تثبت وفاة الصحافة التقليدية، بل تثبت عكس ما يروّج له البعض عندنا.
نعم، هناك مؤثرون وصناع محتوى على «تيك توك» و«يوتيوب» وغيرهما في أمريكا وإسرائيل والبرازيل، ويحققون ملايين المشاهدات، ويشاركون في صناعة المناخ العام. لكن الإناء والإطار والمناخ الفاعل للعملية الانتخابية، من بدايتها إلى نهايتها، ما زالت تشكّله وسائل الإعلام والصحافة التقليدية: صحف ومواقع وشاشات، تستخدم الوسائط الحديثة للوصول إلى الناخب، ولا تستبدل بها.
والدليل العملي بسيط وحاسم: افتتاحية يكتبها مجلس تحرير صحيفة كبرى، أو تحقيق استقصائي تنشره مؤسسة صحفية عريقة، أو مناظرة تنظمها شبكة تلفزيونية كبرى، تظل أكثر تأثيرًا وفاعلية في تغيير اتجاه ناخب متردد، وفي وضع أجندة النقاش العام، من آلاف المقاطع القصيرة المتطايرة، مهما بلغ عدد مشاهداتها.

لماذا؟
لأن التأثير السياسي الحقيقي لا يُقاس بعدد المتابعين، بل بثلاثة أشياء مجتمعة:
المحتوى، ثم المحتوى، ثم المحتوى مرة أخرى.
المحتوى بمعناه المهني الدقيق: معلومة موثقة، وسياسة تحريرية واضحة، ونقد للشخصيات والأفعال والأقوال، ورفع سقف التناول والطرح، وتعدد مصادر، وتصحيح للأخطاء، ومسؤولية مؤسسية أمام الجمهور والقضاء.
والضمانة الثانية: توافر الدعم والحماية المجتمعية والقانونية لتلك الوسائل، حتى تستطيع أن تنتقد رئيسًا وحكومة وحزبًا، دون أن تُغلق أو تُرهب أو تُجوع. فالصحيفة التي لا يحميها قانون ومجتمع، لا تستطيع أن تكتب افتتاحية حرة، ولو امتلكت أفضل المحررين.
والضمانة الثالثة: استمرارية مؤسسية. فصانع المحتوى الفرد قد يمرض أو يتوقف أو يتغير مزاجه أو يشترى إعلانه، أما المؤسسة الصحفية فتبقى، وتتراكم خبرتها، ويُحاسب مجلس تحريرها، ويُعرف خطها، ويُقاس أداؤها عبر انتخابات بعد انتخابات.

ومن يستميت عندنا، وحده، في إعلان وفاة تلك الوسائل ووأدها لصالح الفراغ والتيه الكبير في العالم الافتراضي، لا يفعل ذلك من باب العلم، بل من باب الهروب من سؤال أصعب: لماذا ضعفت صحافتنا؟ ولماذا فقدت ثقة الناس؟
الإجابة ليست: لأن «تيك توك» انتصر. الإجابة هي: لأن المحتوى ضعف، وسقف النقد انخفض، والسياسات التحريرية تراجعت، والحماية المجتمعية والقانونية للصحفي اهتزت، فصار القارئ يبحث عن بديل، ولو كان بديلًا فرديًا غير مؤسسي.
أي أن المؤثر لم يقتل الصحيفة. الصحيفة، حين تخلت عن محتواها، فتحت الباب للمؤثر.
وهذا ليس انبهارًا بالنماذج الأمريكية أو الإسرائيلية أو البرازيلية، بل غيرة على حالنا وأحوالنا، سياسيًا ومهنيًا. فهناك، لم يُلغوا الصحافة لصالح المؤثر، بل أعادوا للصحافة محتواها، فاستعادت تأثيرها، واستخدمت المؤثر كامتداد، لا كبديل.

ما الحل إذن؟.. تكامل لا استبدال
من شهادة الداخل، ومن ردود الفعل، ومن المنطق العلمي، تتضح معادلة واحدة عادلة للطرفين:
تعريف قانوني ومهني لصانع المحتوى: ليس كل من أمسك الموبايل وفتح لايف على تيك توك صانع محتوى. صانع المحتوى هو من له محتوى فعلي، يبحث ويدقق ويصنع مادته بنفسه، ويحدث فرقًا، إيجابيًا كان أو سلبيًا، ويتحمل مسؤولية ما يقول. وهذا ما طالبت به ريهام عياد نفسها، وما طالب به المشاركون في الاجتماع: وضع تعريف ومعايير محددة، وإنشاء مظلة تضع قواعد مهنية وأخلاقية وآليات مساءلة.
حماية استقلال المؤثر، دون تحويله إلى موظف: صاحب الشهادة محق في تحذيره. ميزة صانع المحتوى في حرية حركته. فلو قيّدناه بلوائح نقابية تقليدية، حوّلناه إلى صحفي تقليدي، وأنهينا سبب تميزه. المطلوب كيان يضمنه أهله أنفسهم، ويضع تعريفات وحقوقًا، مع استمرار الاستقلالية والمرونة، كما قال جرجس فكري وأحمد رشاد داخل الاجتماع: الكيان يجب أن يكون بيد أصحاب المهنة، بعيدًا عن تدخل الحكومة، ودون تراخيص إلزامية تخنق حرية التعبير.
إصلاح الصحافة قبل منافستها: لا يجوز أن نطالب الصحفيين بقبول منافسة غير متكافئة، وهم محرومون من عضوية نقابتهم إن عملوا في مواقع إلكترونية، ومن حماية قانونية ومادية، ومن سقف نقدي مرتفع. الأولى، كما قالت سارة فوزي، توجيه الدعم المؤسسي إلى الصحفيين الإلكترونيين وأقسام الإعلام الرقمي في ماسبيرو والشركة المتحدة، قبل توفير استوديوهات لمؤثرين يمتلك كثير منهم شركات وتعاقدات مع جوجل وتيك توك وميتا.

بروتوكول تعاون، لا احتواء: لماذا إذا أرادت الدولة إيصال معلومة، تذهب إلى مشاهير غربيين، وصناع محتوى مصريون لهم تأثير في العالم كله موجودون؟ سؤال صاحب الشهادة مشروع. لكن الجواب ليس أن يتحول المؤثر إلى ناطق رسمي، بل أن يكون هناك تعاون مهني شفاف: معلومة رسمية دقيقة تصل إليه من مصدرها، فيتحقق منها، وينقلها بأسلوبه، ويحتفظ بحقه في النقد. هنا فقط يصبح المؤثر قوة ناعمة حقيقية، لا أداة دعاية.
مصر رائدة بالفعل، لكن الريادة تحتاج مؤسسات: صاحب الشهادة محق أيضًا في أن مصر لديها بنية تحتية جيدة، وأن صناع محتواها هم الأكثر تأثيرًا وشهرة في العالم العربي، بحكم الجغرافيا والتعداد والتاريخ، وأن الطريق ممهد أمام الدولة لاستيعابهم ودعمهم بالمعلومات والدعم المعنوي. لكن الريادة لا تُبنى على أفراد فقط. فالأفراد يذهبون، والمؤسسات تبقى. ولهذا تحتاج مصر إلى صحافة قوية، ومؤثرين أقوياء، في الوقت نفسه، لا إلى أحدهما على حساب الآخر.
الجدل الدائر ليس بين «قديم» و«جديد»، ولا بين «صحفيين غيورين» و«مؤثرين صاعدين». الجدل الحقيقي هو بين منطقين:

منطق يقول: نعلن وفاة الصحافة، ونستبدل بها عدد المتابعين، ونسمي المنتشر مؤثرًا، واللايف محتوى، والتريند رأيًا عامًا.
ومنطق آخر يقول: المحتوى هو الحكم، والسياسة التحريرية هي الضمانة، والحماية القانونية والمجتمعية هي الشرط، والمؤسسة الصحفية القوية والمؤثر المحترف المستقل يكملان بعضهما، ولا يلغي أحدهما الآخر.
الأول يريحنا من الإصلاح، ويتركنا في التيه الافتراضي.
والثاني يوجعنا، لأنه يطالبنا بإصلاح الصحافة، وتحديد المؤثر، ورفع سقف النقد، وحماية من ينتقد.
ومصر، التي كانت رائدة الإعلام العربي، لا يليق بها إلا الثاني.
