جاءنا الآن
الرئيسية » نشرة الأخبار » د. ميار البيرقدار تسطر لـ”إندكس”: المسوخ البريئة..كيف تدمر الحروب والاحتلالات الباقي من حياة الأطفال؟

د. ميار البيرقدار تسطر لـ”إندكس”: المسوخ البريئة..كيف تدمر الحروب والاحتلالات الباقي من حياة الأطفال؟

د. ميار البيراقدار

أطفال الحروب ليسوا مجرد ضحايا جانبيين. هم الضحية الأكثر صمتاً وعمقاً. الحرب لا تقتل طفولتهم فقط، بل تعيد تشكيل تفكيرهم وشخصيتهم وهويتهم من الداخل.

هذا المقال يلخص ما نعرفه علمياً ونفسياً عن نشأتهم في ظل الاحتلال والحرب.

أولاً: كيف يفهم الطفل الحرب؟

الطفل لا يفهم الحرب كحدث سياسي، بل يفهمها كتهديد مباشر لبقائه.

اعرف أكثر 

 السيسي في تخرج الدفعة 6 قضاء بالأكاديمية العسكرية: الهدف ليس عسكرة الدولة لكن الإلحاح لإسقاطها ما زال موجوداً

– من 0 إلى 3 سنوات: يشعر بالخوف من خلال خوف أمه. اضطراب في النوم، فقدان للشهية، وبكاء مستمر.
– من 4 إلى 6 سنوات: يعتقد أنه سبب ما يحدث. يظهر سلوك نكوصي مثل التبول اللاإرادي، مص الأصابع، والتعلق المفرط.
– من 7 إلى 12 سنة: يبدأ في فهم الموت والفقد. تظهر أسئلة وجودية، وكوابيس، وصعوبات دراسية.
– المراهقون: يشعرون بالغضب والعجز والذنب، وقد ينجذبون للانتقام أو الانعزال التام.

الاحتلال يضيف طبقة أخرى. الطفل لا يعيش حرباً وتنتهي، بل يعيش حالة تهديد مزمن، دائمة، لا يمكن التنبؤ بها. بيت يمكن هدمه، ومدرسة يمكن قصفها، وأب يمكن اعتقاله في أي لحظة.

د. ميار البيرقدار تسطر لـ”إندكس”: المسوخ البريئة..كل تدمر الحروب والاحتلالات الباقي من حياة الأطفال؟

ثانياً: الأمراض والاضطرابات النفسية الأكثر شيوعاً

الدراسات على أطفال فلسطين وسوريا واليمن والعراق وأوكرانيا تظهر نسباً متقاربة ومخيفة:

1. اضطراب ما بعد الصدمة PTSD: هو الأكثر انتشاراً. يصل إلى 50-70% من الأطفال في مناطق الحروب المطولة.

أعراضه: استرجاع المشهد باستمرار (Flashbacks)، كوابيس، تجنب أي شيء يذكره بالحرب، فرط استثارة، وقفز من أي صوت عالٍ.

2. اضطرابات القلق: قلق الانفصال عن الأهل، قلق عام، ونوبات هلع. الطفل يعيش في حالة تأهب دائم، كأن جهازه العصبي لا يملك زر “إيقاف”.

اعرف أكثر

القرار المصري تحت ضغط رفع الفيدرالي الأمريكي للفائدة..الحكومة والأموال الساخنة والسوق والجنيه والذهب في حالة ترقب حتى قرار 24 سبتمبر

3. الاكتئاب الطفولي: ليس حزناً فقط، بل فقدان للعب، فقدان للشهية، شعور بأنه بلا قيمة، وأفكار عن الموت عند المراهقين. يظهر كثيراً عند الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو المنزل.

4. الاضطرابات السلوكية: عدوانية زائدة، عناد، سرقة، كذب، أو على العكس: انسحاب كامل وصمت اختياري. كثير من الأطفال يتحولون إلى “الكبير الصغير” الذي يحمل مسؤولية الأسرة باكراً.

5. اضطرابات التعلق والثقة: عندما يرى الطفل العالم كمكان غير آمن والكبار عاجزين عن حمايته، يفقد الثقة الأساسية في العالم. وهذا يؤثر على كل علاقاته المستقبلية.

د. ميار البيرقدار تسطر لـ”إندكس”: المسوخ البريئة..كل تدمر الحروب والاحتلالات الباقي من حياة الأطفال؟

ثالثاً: الأمراض والآثار العصبية – الحرب تغير الدماغ

هذا هو الجانب الأخطر والأقل حديثاً عنه. الدماغ في الطفولة في طور البناء. التعرض المزمن لهرمون التوتر الكورتيزول بسبب القصف والخوف والجوع يفعل التالي:

– ضمور الحصين (Hippocampus): المسؤول عن الذاكرة والتعلم. لذلك يعاني أطفال الحروب من ضعف تركيز وتأخر دراسي حتى لو كانوا أذكياء.
– فرط نشاط اللوزة الدماغية (Amygdala): تصبح حساسة جداً للخطر. الطفل يفسر أي نظرة أو صوت كتهديد.
– ضعف القشرة الجبهية: المسؤولة عن التحكم في الانفعالات واتخاذ القرار.

اعرف أكثر

عمرو دغيدى يسطر: تفاصيل المؤسسة الصهيونية التى اعترف عبد الرحمن موكا بعلاقتها بالإخوان

– أعراض عصبية جسدية: صداع مزمن، آلام بطن غير مبررة، تبول لا إرادي، تأتأة، تشنجات نفسية، اضطرابات نوم شديدة، وضعف المناعة.

الطفل الذي نشأ تحت القصف، جهازه العصبي تعلم أن يبقى في وضع “النجاة” لا في وضع “النمو”.

د. ميار البيرقدار تسطر لـ”إندكس”: المسوخ البريئة..كل تدمر الحروب والاحتلالات الباقي من حياة الأطفال؟

رابعاً: الجوانب الشخصية وهوية طفل الحرب

الحرب لا تصنع مرضاً فقط، بل تصنع شخصية مسخ:

1. هوية مشوهة أو مجزأة: أنا ضحية؟ أنا ناجٍ؟ أنا مقاوم؟ أنا عبء؟ الطفل يكبر دون إجابة واضحة عن سؤال “من أنا”.

2. الشعور المزمن بالذنب: ذنب النجاة “لماذا بقيت حياً ومات صديقي؟” وهو شائع جداً عند أطفال غزة وسوريا.

3. فقدان الطفولة (Adultification): طفل عمره 9 سنوات يعمل، يرعى إخوته، ويبحث عن ماء. لا يسمح لنفسه أن يلعب أو يخاف.

اعرف أكثر

إيركايرو تحول الغردقة لمطار محوري عالمي وتقود هجوماً سياحياً في TOP RESA

4. ازدواجية التعلق بالمحتل: في حالات الاحتلال الطويل، قد يظهر عند الطفل مزيج من الكراهية الشديدة والخوف والرغبة في التشبه بالقوة، وهي آلية دفاعية معقدة.

5. المرونة والصمود المذهل (Resilience): وهذه هي المفارقة. نفس الأطفال يظهرون قدرة هائلة على التكيف، وذكاءً اجتماعياً، وتضامناً، وإبداعاً في اللعب من لا شيء، ونضجاً مبكراً. الصمود ليس غياب الألم، بل القدرة على الاستمرار رغم الألم.

د. ميار البيرقدار تسطر لـ”إندكس”: المسوخ البريئة..كل تدمر الحروب والاحتلالات الباقي من حياة الأطفال؟

خامساً: النشأة في ظل الاحتلال.. ما الذي يختلف؟

الحرب حدث، والاحتلال نظام.

– انعدام الأمان الوجودي: لا يوجد “بعد الحرب سنعود”. الاحتلال يجعل اللاعودة هي القاعدة.
– إذلال يومي ممنهج: حواجز، تفتيش، هدم مدارس، ومنع حركة. هذا يزرع شعوراً عميقاً بالعجز والدونية إذا لم يتم احتواؤه.
– تمزق النسيج الاجتماعي: اعتقال الآباء، تهجير، واكتظاظ في المخيمات، مما يضعف دور الأسرة الحاضن الأساسي للطفل.
– التعليم تحت الخطر: المدرسة التي يجب أن تكون ملاذاً آمناً تصبح هدفاً أو مكاناً غير آمن.

اعرف أكثر

الحزب الإخوانى وحكومة الوحدة: انفجارات المشهد الانتخابي الإسرائيلي قبل 40 يوماً من الاقتراع

سادساً: ماذا يحمي الطفل؟ عوامل الوقاية

العلاج ليس أدوية فقط. أهم عوامل الحماية التي أثبتتها الأبحاث:

1. وجود شخص واحد آمن ومستقر على الأقل: أم، جدة، أو معلم. شخص يقول للطفل “أنا هنا”.

2. السرد والرواية: السماح للطفل أن يحكي قصته، يرسم، يكتب، ويمثل. تحويل الصدمة الصامتة إلى قصة مسموعة.

3. الروتين: أوقات ثابتة للأكل والنوم واللعب تمنح الدماغ إحساساً بالسيطرة.

د. ميار البيرقدار تسطر لـ”إندكس”: المسوخ البريئة..كل تدمر الحروب والاحتلالات الباقي من حياة الأطفال؟

4. اللعب: اللعب هو لغة الطفل العلاجية الأولى. ليس رفاهية.

5. المدرسة الآمنة والدعم المجتمعي: إعادة إدماج الطفل في مجموعة أطفال، وليس عزله كـ “مريض”.

الطفل لا يحتاج أن نُنسيه ما حدث، بل أن نساعده على العيش مع ما حدث دون أن يدمره.

اعرف أكثر

إسلام كمال يسطر: بين المعلن وغيره..هل نحن بصدد تمثيلية صهيونية فارسية جديدة لتمرير التطبيع السعودى المعقد؟

أطفال الحروب لا يكبرون، بل يُجبرون على الكبر. وإذا لم نتدخل مبكراً نفسياً واجتماعياً، فإن جرح اليوم سيتحول إلى عنف أو اكتئاب أو اضطراب شخصية بعد عشرين عاماً. الاستثمار في علاج طفل حرب واحد هو استثمار في قطع دائرة العنف القادمة.

إعادة بناء البيوت مهمة، لكن إعادة بناء الشعور بالأمان داخل الطفل هو الأهم.

الكاتبة، خبيرة متمرسة وحاصلة على دكتوراه الأمراض النفسية والعصبية – جامعة بنسلفانيا – الولايات المتحدة الأمريكية

عن الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *