غرفة الهدنة
رغم أجواء الفشل المستمرة حتى الآن بين الإيرانيين والأمريكيين في إسلام أباد، لايزال يسعى كلا الجانبين جاهدين لإثبات عدم استسلامهما لمطالب الطرف الآخر، وتُؤدي التصريحات المنفصلة عن الواقع أو التي لا تعدو كونها أمنيات إلى حالة من عدم اليقين.
لكن عمليًا، اتخذت الولايات المتحدة وإيران خطوات صغيرة لتمكين المحادثات التاريخية في إسلام آباد، ويبدو أنهما لم تتطرقا بعد إلى القضايا الجوهرية كالنووية والصاروخية. إذا تم التوصل إلى اتفاق مبدئي بشأن فتح مضيق هرمز، فمن الممكن افتراض استمرار المفاوضات، وأن ترامب سيطالب بوقف إطلاق نار كامل في لبنان خلال أيام، وسط قلق إسرائيلى.
كلا الجانبين لديه مصلحة قوية في الحفاظ على وقف إطلاق النار الهش في الحرب مع إيران، ومصلحة أقوى في انطلاق المفاوضات بدايةً موفقة، وهذه المصلحة هي التي رجّحت الكفة حتى الآن ومهّدت الطريق للجولة الأولى من المحادثات المباشرة.

وقد اتخذ كلا الجانبين خطوات صغيرة استجابت جزئيًا لمطالب الطرف الآخر: فقد طالب الإيرانيون بوقف إطلاق نار كامل في لبنان، بينما طلبت واشنطن من إسرائيل فقط تخفيف حدة هجماتها في لبنان، وقد استجابت إسرائيل.
ولم يشنّ سلاح الجو هجمات على شمال بيروت والضاحية إلا في وقت متأخر من مساء السبت، خلافًا لما هدد به المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية.
وأبدى الإيرانيون رضاهم عن هذا الامتثال الجزئي من جانب إسرائيل لمطلب ترامب، لا سيما مع استمرار حزب الله في شنّ هجمات عشوائية على الجليل، الأمر الذي أضعف المزاعم الإيرانية.

كما استعرض الإيرانيون قوتهم بشأن حرية الملاحة في مضيق هرمز، الذي كان أحد الشروط الرئيسية لوقف إطلاق النار، وأحد الموضوعين الرئيسيين في محادثات الأمس في إسلام آباد. حيث عبرت بعد ظهر أمس، مدمرتان مزودتان بصواريخ موجهة تابعتان لقوة حاملة الطائرات “لينكولن” المضيق ذهابًا وإيابًا دون أن تتعرضا لأي أذى . ولم يقم الإيرانيون بأي شيء لعرقلة مسارهما، على الرغم من قدرتهم على فعل ذلك بوسائل مختلفة.
ولا شك أن هذا كان حدثًا تاريخيًا فريدًا من نوعه منذ لقاء الرئيس الأمريكي جيمي كارتر وشاه إيران محمد رضا بهلوي قبل 49 عامًا (أي قبل أقل من عامين من الثورة الإسلامية عام 1979).
والتقى نائب الرئيس الأمريكي جيه. دي. فانس برئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي يُعتقد أنه ثاني أعلى شخصية سياسية في نظام آية الله.

لكن من المرجح أن هذا اللقاء الأول لم يناقش – على الأقل ليس بالتفصيل أو العمق – قضايا جوهرية كالأسلحة النووية والصواريخ ودعم الجماعات المسلحة. ويبدو أن أبرز القضايا المطروحة على جدول الأعمال كانت فتح مضيق هرمز وكيفية استئناف المفاوضات من الآن فصاعدًا.
ويطالب الأمريكيون بفتح مضيق هرمز للملاحة الحرة دون قيود أو رسوم عبور، كما كان قبل الحرب. في المقابل، يطالب الإيرانيون بترتيب يجعلهم المالكين الفعليين للمضيق، بما يمنحهم نفوذاً استراتيجياً للسيطرة على هذا الممر الحيوي الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية، فضلاً عن عائدات مالية ضخمة.
ويطالبون بترتيب يُلزم السفن بالحصول على إذن من الحرس الثوري لعبور المضيق، وأن تدفع ناقلات النفط رسوم عبور بناءً على قيمة حمولتها.

ويرفض الأمريكيون وجميع حلفائهم، بطبيعة الحال، مثل هذا الترتيب، لكنهم على استعداد تام للاستماع إلى مطالب الإيرانيين مقابل موافقتهم على العودة إلى اتفاقيات الشحن الأصلية .
على سبيل المثال، يطالب الإيرانيون بالإفراج عن مبلغ الستة مليارات دولار المجمدة في بنوك قطر. وكانت هذه الأموال مخصصة في الأصل، وفقًا للإدارة السابقة في واشنطن، لشراء الأدوية والغذاء وتلبية الاحتياجات الإنسانية للشعب الإيراني، إلا أن الرئيس جو بايدن، الذي أفرج عنها في البداية، جمّدها مجددًا بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ثمة مسألة أخرى تتمثل في ضمان حرية الملاحة، وذلك أولاً بإزالة الألغام البحرية التي تزعم إيران زرعها في الممرات الملاحية في مضيق هرمز، وثانياً بتأمين السفن من المضايقات والهجمات من قبل جهات إيرانية أو غيرها.

وبدون تلبية هذه الشروط، لن توافق شركات التأمين الدولية على تأمين ناقلات النفط العملاقة التي تبلغ قيمة حمولتها مئات الملايين من الدولارات.
وفي هذا الصدد، يُعدّ مرور المدمرتين الأمريكيتين عبر مضيق هرمز ذهاباً وإياباً دليلاً على أن الممرين الملاحيين الرئيسيين في المضيق ليسا بالخطورة والانتشار العشوائي للألغام كما تدّعي إيران، وأن إزالة الألغام من المضيق لن تكون مهمة معقدة وطويلة كما كانت تخشى.
وتوجد الآن غواصات حديثة تعمل عن بُعد قادرة على إنجاز المهمة في غضون أسبوع أو أسبوعين. تكمن المشكلة في أنها تُصنّع في بلجيكا وهي بالفعل في الخدمة لدى البحرية الفرنسية، التي ترفض المشاركة في عملية إزالة الألغام حتى انتهاء الحرب.

إذا تم التوصل إلى اتفاقات، ولو من حيث المبدأ، بشأن قضية هرمز، فمن المرجح أن تستمر المفاوضات. وإلا، فسيعرقل الأمريكيون المحادثات. وفي حال استمرارها، سيتعين تحديد كيفية ووقت ومستوى هذه المفاوضات.
على سبيل المثال، متى ستُعقد اجتماعات الخبراء بعد التوصل إلى اتفاقات مبدئية على المستوى السياسي، وما إلى ذلك. هذا الأمر يستغرق وقتًا، وسيستلزم بالتأكيد تمديد وقف إطلاق النار.
ومن وجهة نظر إسرائيلية، فيما يتعلق بكل ما يخص الحرب مع إيران، لا يزال من المبكر تقييم نتائج المفاوضات، سواءً بالإيجاب أو السلب.

لكن من المعقول افتراض أن ترامب سيطالب، خلال أيام، بوقف إطلاق نار كامل في لبنان، وستضطر تل أبيب للموافقة عليه. وربما يتوقع حزب الله أيضاً حدوث ذلك، ولهذا، كعادته، سيحاول تكثيف عمليات إطلاق النار باتجاه الشمال وجنود جيش الاحتلال في جنوب لبنان خلال الأيام القادمة.
وعموما، هذه الأجواء يُبقي مواطني جميع الدول المعنية في حالة من عدم اليقين. ليس الإيرانيون وحدهم من يُصدرون بياناتٍ وتسريباتٍ لا صلة لها بالواقع، وتهديداتٍ لا نيةَ لتنفيذها؛ بل يُصدر كلٌ من الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو تصريحاتٍ بصيغة المضارع، وكأنهم يصفون وضعًا قائمًا بالفعل على أرض الواقع، بينما هم في الحقيقة يُعبّرون عن رغباتهم الشخصية لا أكثر.
