لحظات التوتر، تميل بعض الأصوات إلى تبسيط الأمور إلى حدّ التشويه، فتتحول العلاقات المعقدة إلى اتهامات جاهزة، وتُختزل مواقف الدول في كلمات مثل: “خيانة”، “شماتة”، “تخلٍ”.
وهنا، لا يصبح النقاش اختلافًا في الرأي، بل خلطًا — أراه أحيانًا مقصودًا — بين الانفعال والغضب.
أولًا: مصر لا تُدار بالعواطف
فمصر، بتاريخها وثقلها، لا تُبنى قراراتها على ردود فعل، ولا تدخل صراعات لإرضاء مشاعر، أيًا كانت.
ليس من الحكمة — ولا من المسؤولية — أن تُطالب دولة بحجم مصر بإعلان مواجهة مفتوحة مع دولة إقليمية كبرى مثل إيران، بينما المنطقة كلها تعيش على حافة توازن دقيق.
الحروب ليست تصريحات، ولا تُدار بمنطق “إثبات المواقف”، بل بحسابات أمن قومي، ثمنها دماء… لا كلمات.
ثانيًا: هناك أسئلة يجب أن تُطرح بصدق قبل توجيه الاتهامات، وهي أسئلة أولى بالإجابة:
1- هل استجابت الدول التي تطالب اليوم بمواقف حادة لدعوات مصر المتكررة لإنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة؟
2- هل تم العمل فعليًا على بناء منظومة دفاع عربي مستقل، أم تم الاعتماد على ترتيبات أمنية خارجية؟
3- هل يمكن تجاهل وجود قواعد عسكرية أجنبية في المنطقة، ودورها في تعقيد المشهد، ثم مطالبة الآخرين بدفع ثمن هذه التعقيدات؟
هذه ليست اتهامات… بل وقائع يجب وضعها في سياق أي نقاش جاد.
ثالثًا: الاستقلال لا يُجزّأ
من غير المنطقي أن تُطالب مصر بالتحرك عسكريًا بينما القرار الأمني في بعض الدول مرتبط — بدرجات متفاوتة — بترتيبات دولية مع قوى كبرى، مصر ليست طرفًا فيها.
الاستقلال الاستراتيجي لا يكون انتقائيًا: إما أن يكون قرار الحرب والسلم نابعًا من الداخل، أو أن تبقى المعادلة أكثر تعقيدًا مما يُطرح في الإعلام.
رابعًا: الدعوة إلى مواجهة مفتوحة مع إيران ليست بالضرورة تعبيرًا عن قوة، بل قد تكون — في بعض الأحيان — اختزالًا خطيرًا للمشهد.
فحتى الدول التي تُرفع شعارات المواجهة باسمها، لا تغلق كل الأبواب، ولا تتعامل مع المستقبل بمنطق القطيعة المطلقة. وهنا، يظهر دور مختلف لمصر، ليس كطرف في صراع، بل كدولة يمكن — بحكم موقعها وتاريخها — أن تكون جسرًا أو وسيطًا في لحظة تحتاج فيها المنطقة إلى عقل يوازن… لا صوت يرفع.
خامسًا: الأخوة لا تعني التبعية
العلاقة بين مصر ودول الخليج علاقة أخوة تاريخية حقيقية، سبق اختبارها من قبل عندما كانت الثروة غير موجودة، وكانت مصر هي السند، وعندما احتاجت مصر للمساندة بعد 2011، كان الخليج هو السند.
لكن الأخوة لا تعني أن تتحرك دولة وفق إملاءات غيرها، ولا أن تخوض معارك لا ترى جدواها الاستراتيجية.
كما أن الاختلاف في التقدير لا يعني عداء، ولا يُبرر خطابًا يتجاوز حدود اللياقة أو المنطق.
ختامًا: ليس من الحكمة أن نُطالب بالحرب، ثم نُحمّل الآخرين مسؤولية عدم خوضها.
وليس من الإنصاف أن نُغفل تعقيدات الواقع، ثم نختزل المواقف في اتهامات عاطفية.
مصر لا تُزايد.. ولا تنساق.
تحسب خطواتها، وتدرك أن القوة الحقيقية ليست في سرعة الاشتباك، بل في حسن تقدير اللحظة.
أرى أن مصر، من خلال قيادتها السياسية، تتحرك بحكمة في المشهد المتوتر، وزيارات الرئيس السريعة لدول الخليج تُسهم في إطفاء نار تصعيد غير ضروري، قد يكون مقصودًا.
وفي منطقة تموج بالتوتر، قد يكون أعقل الأدوار ليس أن تُشعل النار… بل أن تمنع اتساعها.
فالاختبار ليس فقط في منع صواريخ باليستية على القواعد الأمريكية في الخليج، بل في وأد “صواريخ” يطلقها البعض من الداخل على قواعد الثقة بين مصر وأشقائها.
