غرفة الحرب ووحدة مراكز الدراسات
انضم معهد كاتو للدراسات الاستراتيجية بواشنطن لمهاجمى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بورقة بحثية قوية، كان مفادها خطيرا يدعو فيها ترامب للانسحاب الفورى بعد الفشل الاستراتيجي الكبير في كل أهداف الحرب التى جر لها أمريكا، فيما وصفته بالحقيقة المرة.
وتستهل الورقة، بإشارتها إلى أن إدارة ترامب جرت الولايات المتحدة إلى حرب مع إيران، ظنًا منها أنها ستحقق نصرًا سريعًا بتكلفة محدودة. لكنها كانت مخطئة.
اعرف أكثر
هل تدفع إسرائيل ترامب لانتحار جديد بمحاولة احتلال جزيرة خرج المفصلية الإيرانية؟
وبعد أكثر من ثلاثة أسابيع من القصف المتواصل، تشير معلومات استخباراتية أمريكية جديدة إلى أن النظام الإيراني يُحكم قبضته على السلطة، ومن غير المرجح أن ينهار، ويقوده كوادر أكثر تطرفًا من ذي قبل.
ووفق الورقة البحثية الأمريكية ، رغم ذلك، تنشر واشنطن آلافًا إضافية من الجنود في الشرق الأوسط، ويقترب ترامب أكثر فأكثر من شنّ حملة برية محتملة داخل إيران. لقد حان الوقت لمواجهة الحقيقة: فالنجاحات التكتيكية لا يمكنها أن تُخفي ما أصبح سريعًا فشلًا استراتيجيًا آخر في الشرق الأوسط.

وكما ورد بالورقة، لم يكن هناك شك في قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على إلحاق أضرار جسيمة بالنظام الإيراني وجيشه. فقد استغرق الأمر منهما 100 ساعة فقط لإسقاط قنابل أكثر مما أُلقي في الأشهر الستة الأولى من الحملة الأمريكية ضد داعش، وأقل من 24 ساعة لاغتيال آية الله علي خامنئي.
لا شك أن الحرب حققت نجاحات تكتيكية محددة تهدف إلى إضعاف طهران. ومع ذلك، يبقى السؤال المحوري هو الغاية الاستراتيجية المرجوة من هذه القوة.
اعرف أكثر
وتتابع الورقة البحثية الأمريكية ، هنا، تنفصل استراتيجية الإدارة عن أهدافها المعلنة. فمن بين المبررات المتناقضة العديدة التي طرحتها واشنطن لتبرير الهجوم، برزت مبرران رئيسيان: القضاء على البرنامج النووي الإيراني وتغيير النظام في طهران. لم تحقق واشنطن أيًا من هذين الهدفين، وليست في وضع يسمح لها بتحقيقهما.
زعمت إدارة ترامب في البداية أن البرنامج النووي الإيراني يمثل تهديدًا وشيكًا، مما يستدعي عملًا عسكريًا. وأصر ترامب على أن طهران على بُعد أسبوعين فقط من امتلاك قنبلة نووية، وذلك بعد أشهر قليلة من ادعائه أنه “دمر البرنامج تمامًا” خلال عملية “مطرقة منتصف الليل”.

وكما اعترف التقدير الأمريكي، لا يوجد دليل موثوق على أن إيران كانت على وشك تطوير سلاح نووي. وقد أكد رافائيل غروسي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ذلك بعد اندلاع الحرب. بل على العكس، يبدو أن الحقيقة هي عكس ذلك.
فبحسب وزير الخارجية العماني وكبير المفاوضين بين الولايات المتحدة وإيران، بدر بن حمد البوسعيدي، قدمت إيران لواشنطن تنازلات كبيرة ، تجاوز بعضها الضمانات المنصوص عليها في خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 (الاتفاق النووي الإيراني)، التي ألغاها ترامب عام 2018.
هل تريد مطالعة عناوين في مجال آخر؟
جدل متصاعد حول السر الحقيقي لسحب فيلم سفاح التجمع من السينمات وشروط إعادته
تتوافر الآن أدلة كثيرة تشير إلى أن كبيري مفاوضي ترامب في الملف النووي الإيراني، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، قد أساءا فهم بعض القضايا الفنية الجوهرية في النزاع، مما أضعف قدرتهما على إجراء مفاوضات مستنيرة. وبافتراض أن الإدارة كانت تتفاوض بحسن نية، فقد افتقرت إلى المهارات اللازمة للقيام بذلك بفعالية.
وشدد التقدير الأمريكي على أن القوة الجوية لن تتمكن وحدها من تدمير البرنامج النووي الإيراني، فهو مُشتت على نطاق واسع ومُخبأ في أعماق الأرض. والأهم من ذلك، أن إيران لا تزال تمتلك ما يقرب من 1000 رطل من اليورانيوم عالي التخصيب بنسبة نقاء 60%، وهي نسبة قريبة من نسبة 90% المطلوبة لصنع سلاح نووي.

وتشير معلومات الاستخبارات الأمريكية إلى أن إيران قادرة على الوصول إلى بعض اليورانيوم عالي التخصيب المدفون تحت المنشآت التي قُصفت في يونيو الماضي.
وتفيد التقارير أن ترامب يدرس الآن إرسال قوات خاصة أمريكية للاستيلاء على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، لكن هذا ينطوي على مخاطر جسيمة : فمن المستحيل عمليًا معرفة مكان وجود كل اليورانيوم، وحتى لو عرفت واشنطن ذلك، فإن استخراجه بنجاح من أعماق الأرض تحت نيران العدو سيتطلب قوة برية ضخمة.
اعرف أكثر
إعلام عبري: مقتل إسرائيلى وإصابة آخر في حادث طريق بشرم الشيخ
وحسب الورقة البحثية الأمريكية ، عند انتهاء الحرب، ستحتفظ إيران بالخبرة التقنية، وربما بالمواد اللازمة لاستمرار برنامجها النووي. لقد جعلت الحرب المفاوضات المستقبلية أكثر صعوبة، إن لم تكن مستحيلة. وقد ترى طهران الآن أن الأسلحة النووية ضرورية، وهو ما شجعه ترامب بشكل غير متوقع.
ترامب يناقش الضربات على إيران
ويتعرض التقدير الأمريكي للمبرر الآخر وهو تغيير النظام، وهي رواية تبناها ترامب عند إعلانه الحرب، حثّ فيها الشعب الإيراني على الثورة.

ومع ذلك، حتى بعد اغتيال آية الله علي خامنئي ورئيس المجلس الأمنى والسياسي على لاريجانى، تشير الاستخبارات الأمريكية إلى أن النظام ليس مُعرّضًا لخطر الانهيار، ومن غير المرجح أن تُغيّر حرب واسعة النطاق هذا الوضع.
لا يزال التماسك بين النخب قائماً، ولا يزال الجهاز الأمني - وخاصة الحرس الثوري الإسلامي – موالياً للنظام، والمعارضة الإيرانية منقسمة.
اعرف أكثر
مفارقة: الحرب النفسية الإسرائيلية حول انهيار النظام الإيرانى تثبت مدى صموده
وشهد مجتبى خامنئي، نجل الرئيس الإيراني السابق، حملة تطهير طالت العديد من أفراد عائلته على يد الولايات المتحدة وإسرائيل. وهو متشدد ذو صلات وثيقة بالحرس الثوري الإيراني، الذي بات يسيطر بشكل متزايد على عملية صنع القرار في طهران. وحتى في حال مقتل مجتبى، سيظل الحرس الثوري يمثل القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية الأقوى داخل إيران.
وانتهى التقدير الأمريكي لمحصلة خطيرة وهى أن هذه الحروب مع الولايات المتحدة وإسرائيل ساهمت في تمكين جيل جديد أكثر تشدداً داخل صفوفه. بالنسبة لهم، هذا الصراع وجودي. لم يفشل ترامب في إزاحة النظام فحسب، بل من المرجح أنه زاد من تطرفه أيضا.

بالتبعية، فشلت إدارة ترامب في تحقيق الهدفين الرئيسيين لهذه الحرب. لم يُدمَّر البرنامج النووي الإيراني، وبقي النظام قائماً. بل على العكس، وضع الرئيس الولايات المتحدة على طريق حرب أخرى لا نهاية لها في الشرق الأوسط. طهران مستعدة لحرب استنزاف طويلة الأمد، وتعتزم رفع التكاليف السياسية والاقتصادية والبشرية إلى حدٍّ لا يُطاق بالنسبة للولايات المتحدة.
على وجه الخصوص، قللت إدارة ترامب بشكل كبير من شأن قدرة إيران على تعطيل سوق الطاقة العالمية بهذه السرعة، ومن المرجح أن تؤثر هذه الاضطرابات على السوق حتى بعد انتهاء الحرب. إن أي تصعيد إضافي من جانب ترامب لن يؤدي إلا إلى تفاقم المشكلة وتوريط الولايات المتحدة فيها أكثر. تندفع واشنطن دون استراتيجية، وتُخاطر بتكاليف لا تستطيع تحملها.
اعرف أكثر
تشفي أمريكى في الخسائر الصينية من الحرب بعدما تعلمت واشنطن الدرس..فهل تسكت بكين؟
وبالنسبة للتقدير الأمريكي، فالحقيقة المُرّة هي أنه لا أحد، بما في ذلك إدارة ترامب، يعلم إلى أين ستؤول هذه الحرب. لقد أثبتت واشنطن عجزها أو عدم رغبتها في التعلّم من أخطائها السابقة في الشرق الأوسط.
واختتمت الورقة البحثية الأمريكية ، بتوصية للرئيس الأمريكي بإفادتها، على ترامب أن يُقلّل خسائره وينسحب ما دام ذلك ممكناً.
