أنتمي إلى جيل تفتحت مداركه أثناء فترة المد القومي العربي الذي ساد المنطقة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بأعوام قليلة، وظننا بتلقائية وحسن نية أننا بحق الجيل الذي جاء في موعده مع القدر، وأن أبواب الدنيا قد تفتحت لنا، وأصبحت نوافذ المعرفة تطل علينا من كل اتجاه.
وعند تأميم رئيس وزراء إيران محمد مصدق بترول بلاده عام 1951، تفتحت مداركنا أيضاً على إمكان استعادة الحقوق العربية ومواجهة الاستعمار الفكري والسياسي الاقتصادي بكل الأساليب ومختلف الطرق.
وما هي إلا أشهر قليلة حتى قامت ثورة الجيش في مصر والتي أحدثت تحولات ضخمة في المنطقة، وظلت الحركة العربية القومية موحدة إلى أن ظهرت بعض التغيرات في النظامين الاجتماعي والاقتصادي في مصر.
اعرف أكثر
مواجهة مفاجئة بين مقاتلات صينية وأمريكية في كوريا الجنوبية
وانعكس ذلك سلباً على وشائج العلاقات الوثيقة بين مصر والعرب، خصوصاً بعد تحرك الجيش المصري صوب أرض اليمن وظهور محاولة تقسيم العالم العربي، وادعاء تقدمية بعضها على بعضها الآخر، في وقت تزايدت سطوة إسرائيل وقدرتها على تمزيق وحدة الأمة وتقطيع أوصال النسيج القومي الواحد.
ثم كانت “هزيمة يونيو 1967” التي اعتبرت بحق نكسة كبرى للمسار القومي كله، بينما كانت في الوقت ذاته عودة جديدة للوعي العربي حين سعت دول الخليج العربي بقيادة السعودية إلى دعم عبدالناصر والدولة المصرية في مواجهة آثار النكسة، مؤمنين بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة.
وكانت القمة العربية في الخرطوم في العام نفسه هي التعبير الواضح أن الدماء العربية واحدة أمام المحن والخطوب، وأن الأمة العربية لا تتراجع أبداً أمام النكسات والنوائب، ويومها خرج الشعب السوداني العريق يرحب بعبدالناصر على رغم الهزيمة، ويُحيي الملك فيصل الذي وقف هو وبلاده داعماً لمصر وعبدالناصر في أحلك الظروف وأصعب الأوقات.

يومها قلنا إن العرب بخير وأن المصالح العربية التقت، وذلك على رغم الهزيمة العسكرية والنكسة الكبرى، فالمهم بالدرجة الأولى هو عودة التضامن العربي والتمرد على روح الهزيمة ورفض الانكسار.
ثم كانت حرب الاستنزاف ضد إسرائيل وعربدتها في أجواء المنطقة حتى جاءت حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 بكل ما ارتبط بها من بسالة وقوة الجيش المصري، والنخوة العربية على أفضل ما تكون، وتحول يومها البترول العربي إلى سلاح مؤثر في ساحة المواجهة بين العرب في جانب وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وحلفائهما في جانب آخر.
وقتها بدا المشهد رائعاً وظهرت قوة العرب كأفضل ما تكون، أتذكر ذلك كله اليوم وأبناء جيلي العربي وأجيال أخرى جاءت بعده كي ندرك أن الصحة النفسية للأمة العربية مرتهنة بالتضامن والتماسك، خصوصاً في أحلك الظروف وأصعب الأوقات بعد اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.

وإذا كان تعريف العربي لغة وحقيقة، مبنى ومعنى، هو من كانت العربية لغته الأولى، فإننا نتذكر أيضاً اليوم عبارة قائد الجيش المصري خلال الربع الثاني من القرن الـ 19 وهو يتجه نحو هضبة الأناضول، عندما سئل متى تتوقف مسيرة جيشك؟
قال عندما أحيي المستقبلين باللغة العربية، فيكون ردهم عربي اللسان والوجدان أيضاً، أما إذا كان الرد بغير العربية فإن ذلك يعني أن حربنا قد أدت نتائجها وبلغنا بها الحدود الفاصلة بين عروبة اللسان وغيرها من أشكال الثقافة وألوان المعرفة وانتماءات الحضارة.

وهو القياس نفسه الذي نتذكره أيضاً لدور الملك الموحد عبدالعزيز آل سعود الكبير الذي جمع شتات الجزيرة العربية وأطرافها المترامية تحت رايات التوحيد حتى خرجت مملكته لترى النور، وتصبح رديفاً للقوى العربية الصامدة منذ ميلادها عام 1932 تحت اسم المملكة العربية السعودية.
لتصبح مع مصر والشام ركائز ثلاثاً للروح القومية التي تدفعنا للقول إن العرب لهم صحوات مسجلة في تاريخهم، مثلما كان لهم كبوات في مسيرتهم الطويلة.

اعرف أكثر
صومالى لاند تغرى واشنطن بقاعدة عسكرية ومعادن نادرة لتقلد إسرائيل
ولقد خيمت القضية الفلسطينية على الساحة القومية واستأثرت بالنصيب الأكبر من الجهد العربي المشترك، وخاض العرب جميعاً والفلسطينيون خصوصاً معارك ضارية لمواجهة جرائم إسرائيل العنصرية التوسعية، وعدوانها الدائم على الأرض العربية واستهانتها بالمقدسات الدينية.
وكانت قمة المأساة في العدوان الإجرامي لما يقارب ثلاثة أعوام على الفلسطينيين وأطفالهم ونسائهم، بتلك المذبحة المتواصلة على أرض غزة الصامدة، والتي لا نكاد نعرف لها مثيلاً في التاريخ الحديث، حيث دفع الشعب الفلسطيني أغلى فاتورة من دمائه وأشلاء أطفاله والعالم يرقب ذلك ويشاهده بتعاطف شكلي.
مع غياب تام للشرعية الدولية وتحول الكوكب كله إلى غابة من الوحوش، يلتهم فيها القوي من هو أضعف منه، وكأننا نعيش في عالم آخر لا توجد فيه قوانين دولية ولا قواعد حاكمة.

واللافت في هذا السياق أن الشعب العربي الذي اكتفى بتقديم المعونات الطبية والغذائية، بالقدر الذي سمحت به إسرائيل، لم يحرك ساكناً، بل ظهر الرأي العام العربي في هذه المأساة في أضعف أحواله، على رغم اعترافنا بالتعاطف النظري لدى الجميع تجاه مأساة الأشقاء.
بل رأينا أيضاً غياب الشارع العربي الحقيقي، فقد كانت التظاهرات المناصرة لغزة في العواصم والمدن الغربية أضعاف أضعاف مثيلاتها في الدول العربية، على رغم أن الجرح كان غائراً والدماء غالية.
ونحن نرى الآن أنه لا بد من الوصول إلى تسوية نهائية تغلق الملف الفلسطيني، عبر استعادة شعبه لأرضه وعاصمته القدس الشريف واحترام مقدساته الدينية هو والعالم الإسلامي كله.

اعرف أكثر
إياك تفطر على بلح الصهاينة: مع اقتراب شهر رمضان تشتعل حروب التمور العربية الإسرائيلية
بدءاً من القدس وحرمه المقدسي، مروراً بالحرم الإبراهيمي ووصولاً إلى كافة الحقوق المسلوبة من ذلك الشعب المناضل الصبور، وأود أن أسجل هنا ملاحظتين لهما أهمية كبيرة في ما نتحدث عنه:
الأولى أن ما جرى في فلسطين المحتلة سابقة دولية خطرة ونقطة تحول مؤلمة في العلاقات الدولية المعاصرة، فهي تكشف العوار الواضح في النظام الدولي والسيطرة الأميركية على السياسات الدولية، واختلافها الواضح حتى مع حلفائها في أوروبا الغربية.
وكذلك فإننا نسجل حالياً حجم المناورات والألاعيب التي تدار على حقوق الشعب الفلسطيني، بل وتتجاوزه إلى العبث بأمن الشرق الأوسط كله والسلم والأمن الدوليين لدى شعوبه، والذي يعنينا هنا هو ما يتصل بأحوال العالم العربي حالياً والحساسيات الناجمة عن تكرار العدوان الإجرامي الإسرائيلي على أرضه.

الثانية أننا لا ننكر، على رغم سوء الأوضاع والتردي الواضح في مواقف بعض الدول العربية، أن هناك دولاً قادرة على التحرك وسط ضباب المجتمع الدولي الحالي وفي ظل المأزق التاريخي الذي تصنعه إسرائيل بالمواجهة مع إيران، بدعوى أن القضية الفلسطينية هي سبب الصراع وبيئته الحاضنة.
وقد يكون ذلك صحيحاً، ولكن الأمر الذي لا جدال فيه هو أن إسرائيل هي التي صنعت الدمار الذي نراه، ووقفت دوماً وراء كل مآسي هذه المنطقة ومحاولة تمزيق النسيج العربي الإسلامي أيضاً.

وإذا نظرنا إلى الفضاء العربي الحالي وجدناه يعتمد على بعض الأعمدة القائمة، على رغم سوء الظروف وتدهور الأحوال، فمصر والسعودية وبعض دول الخليج الأخرى تتحمل عبئاً تاريخياً في ذلك الصراع الدائر الذي تشهده المنطقة.
وهو صراع استمر ما يقارب قرناً كاملاً، سيطرت فيه القضية الفلسطينية بمركزيتها وأهميتها على المناخ العام، وأحالت معظم قضاياه الأخرى إلى الصف الثاني، باعتبارها قضية العرب أجمعين، بل ربما قضية الأحرار في العالم كله.
بعد ذلك يمكننا أن نتساءل هل العروبة بخير أم لا؟ فالعروبة الثقافية بخير في مجملها، ولكن العروبة سياسياً مضطربة إلى حد كبير بحكم هذه الأنواء والأعاصير وسياسات شد الحبال التي تعصف بها من كل اتجاه، ولكن ذلك قدر الأمة وسرّ بقائها واستمرار عطائها وقوة تأثيرها.
