جاءنا الآن
الرئيسية » جاءنا الآن » مع الاحتفالات الإريرتية بذكرى الاستقلال: نظام آبي أحمد ينتحب تحول إثيوبيا لدولة كبيرة حبيسة ويروج لوهم العودة للبحر

مع الاحتفالات الإريرتية بذكرى الاستقلال: نظام آبي أحمد ينتحب تحول إثيوبيا لدولة كبيرة حبيسة ويروج لوهم العودة للبحر

وحدة القرن الإفريقي

تزامنا مع احتفال إرتريا بالاستقلال من الاحتلال الإثيوبي، كان أديس ابابا تروج إلى أن أسمرتها حبستها بعدما خطفت منها المنفذ البحرية، في الوقت التى تهاجم الخارجية الإثيوبية مصر، لدعوى أنها تمنع كل المحاولات للوصول للبحر من جديد.

وبدعوى الإعلام والسوشيال الإثيوبي، فلم تكن خسارة إثيوبيا لسواحلها على البحر الأحمر مجرد تغير جغرافي عابر، بل زلزال استراتيجي أعاد تشكيل مستقبل الدولة الإثيوبية بالكامل. فمنذ استقلال إريتريا رسميًا عام 1993، تحولت إثيوبيا من إمبراطورية تمتلك موانئ بحرية حيوية إلى واحدة من أكبر الدول الحبيسة في العالم، وهو التحول الذي لا تزال تداعياته السياسية والاقتصادية والعسكرية تهيمن على سياسات أديس أبابا حتى اليوم.

وحسب الترويجات الإثيوبية، لقرون طويلة، كانت أديس أبابا تمتلك منفذًا مباشرًا على البحر الأحمر عبر موانئ مثل ميناء عصب وميناء مصوع، اللذين شكّلا شريانًا رئيسيًا للتجارة والحركة العسكرية والاتصال بالعالم الخارجي. لكن جذور الأزمة الحالية تعود إلى الحقبة الاستعمارية المعقدة في القرن الإفريقي، حين خضعت إريتريا للاستعمار الإيطالي أواخر القرن التاسع عشر، بينما بقيت إثيوبيا دولة مستقلة نسبيًا مقارنة بجيرانها.

اعرف أكثر

القوات السودانية تسقط مسيرة قادمة من إثيوبيا..ومراقبون لا يستبعدون المواجهة

وبعد الحرب العالمية الثانية، دخلت إريتريا مرحلة جديدة تحت الإدارة البريطانية، قبل أن تقرر الأمم المتحدة عام 1952 إقامة اتحاد فدرالي بينها وبين إثيوبيا. غير أن الإمبراطور الإثيوبي الراحل هيلا سيلاسي ألغى هذا الاتحاد لاحقًا وضم إريتريا بالكامل إلى إثيوبيا عام 1962، ما أشعل حرب استقلال طويلة استمرت أكثر من ثلاثة عقود.

مع الاحتفالات الإريرتية بذكرى الاستقلال: نظام آبي أحمد ينتحب تحول إثيوبيا لدولة كبيرة حبيسة ويروج للعودة للبحر

وباعتراف إثيوبيا بالاحتلال، واصلت ترويجاتها في روايتها المريبة بدعوى أنه خلال تلك الحرب، تحولت الجبال الإريترية إلى واحدة من أعقد ساحات القتال في إفريقيا، إلى أن نجحت قوات الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا في السيطرة على العاصمة أسمرا عام 1991، بالتزامن مع سقوط نظام منغستو هيلا مريام في إثيوبيا. وبعد استفتاء شعبي جرى تحت إشراف دولي عام 1993، أعلنت إريتريا استقلالها رسميًا، واعترفت إثيوبيا بالدولة الجديدة.

بهذا الاستقلال، فقدت إثيوبيا فجأة كامل سواحلها البحرية، وأصبحت تعتمد على موانئ الدول المجاورة، خاصة جيبوتي، في أكثر من 90% من تجارتها الخارجية. ولم يكن ذلك مجرد خسارة اقتصادية، بل تحوّل إلى عقدة استراتيجية عميقة داخل العقل السياسي الإثيوبي.

فالدول الحبيسة تواجه تحديات هائلة تتعلق بكلفة النقل، والاعتماد على الجيران، وصعوبة الوصول إلى الأسواق العالمية، فضلًا عن القيود الأمنية والعسكرية. ولهذا ترى النخب الإثيوبية أن فقدان البحر كان أحد أكبر التحولات التي أضعفت نفوذ بلادهم الإقليمي.

اعرف أكثر

بعد تراجع الڤاتيكان عن دعم المثليين: الكنيسة المصرية تعلن إعادة الحوار اللاهوتى معها

ووفق دعاوى نظام آبي أحمد ومعسكره، فمع مرور الوقت، تحولت هذه القضية إلى عنصر دائم في الخطاب القومي الإثيوبي. فالكثير من السياسيين والمفكرين الإثيوبيين يعتبرون أن دولة بحجم إثيوبيا، يتجاوز عدد سكانها 120 مليون نسمة، لا يمكن أن تستمر إلى الأبد دون منفذ بحري خاص بها أو مضمون بشكل دائم.

مع الاحتفالات الإريرتية بذكرى الاستقلال: نظام آبي أحمد ينتحب تحول إثيوبيا لدولة كبيرة حبيسة ويروج للعودة للبحر

هذا الشعور تعزز أكثر بعد عودة رئيس الوزراء آبي أحمد للحديث علنًا عن “حق إثيوبيا المشروع في الوصول إلى البحر”، وهي التصريحات التي أثارت قلقًا واسعًا في المنطقة، خاصة في إريتريا والصومال ودول البحر الأحمر.

وفي المقابل، ترى إريتريا أن استقلالها وسيادتها على موانئها أمر نهائي غير قابل للنقاش، وأن أي حديث يتجاوز التعاون الاقتصادي نحو المطالب الجيوسياسية يمثل تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة. ولهذا تتعامل أسمرا بحساسية شديدة مع أي خطاب إثيوبي يتعلق بميناء عصب أو مصوع.

اعرف أكثر

حرب الإنجاب التى يشعلها مجتبي لنصرة إيران والإيرانيين

ورغم أن إثيوبيا لم تفقد قوتها الإقليمية بعد استقلال إريتريا، فإن تحولها إلى دولة حبيسة غيّر طريقة تفكيرها الاستراتيجي بالكامل. فالكثير من تحركاتها الحالية، من بناء تحالفات جديدة إلى إحياء فكرة البحرية الإثيوبية وحتى الاهتمام المتزايد بالبحر الأحمر، ترتبط بشكل مباشر بذلك الحدث المفصلي الذي وقع عام 1993.

وهكذا، فإن استقلال إريتريا لم يغيّر فقط خريطة القرن الإفريقي، بل أعاد تعريف هوية إثيوبيا الجيوسياسية نفسها؛ من دولة تطل على البحر الأحمر إلى قوة إفريقية عملاقة تبحث منذ ثلاثة عقود عن طريق جديد نحو البحر.

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *