
المشهد في غزة لم يعد يحتمل البلاغة العاطفية، بل يحتاج إلى تفكيك سياسي لمشروع إبادة يُدار بعقل بارد. فالاحتلال لا يمارس القتل بوصفه انتقامًا، بل بوصفه أداة لإعادة هندسة الوجود الفلسطيني. وهذا ما تسمّيه الأدبيات الأوروبية «سياسة الموت» (النيكروبولتيك) والاقتلاع البطيء.
وتقول وزارة الصحة في غزة إن الحصيلة الكلية منذ السابع من أكتوبر 2023 بلغت 74 ألف شهيد و178 ألف جريح، مع تدمير 90% من البنية المدنية. هذه ليست حربًا، بل سجل جنائي كامل.
اعرف أكثر
الهدنة التي تقتل
الأخطر أن الجريمة تستمر في ظل الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ في 11 أكتوبر 2025. فمنذ ذلك التاريخ، استشهد 1580 فلسطينيًا، وانتُشلت جثامين 845 شهيدًا، وفي الأسبوع الأخير وحده سقط 42 شهيدًا و218 مصابًا، ويوم الأحد الماضي سقط 9 شهداء، بينهم 5 من الشرطة المدنية في المواصي، وهم يؤدون عملهم الشرطي.

وهذا يدل على أن الاحتلال حوّل الهدنة من آلية تهدئة إلى آلية لإدارة القتل.
ثلاثية الخنق: الأمن والحصار والاغتيال المؤسساتي
يتم تعطيل الهدنة عبر ثلاثية: التحكم الأمني، والحصار الإنساني، والاغتيال المؤسساتي. فإسرائيل تمنع إدخال الدواء والوقود ومولدات الكهرباء، وتترك 35% فقط من المرافق الصحية تعمل جزئيًا، وتترك آلاف حالات السرطان بلا علاج، منها 105 حالات جديدة في 2026، وتقصف خيام النازحين في خان يونس والشاطئ.
اعرف أكثر
أحمد الفاروقى يسطر: البحرين في عهد الملك حمد بن عيسى..مسيرة نماء حصن للهوية العربية
وهذا ما وصفه مركز الميزان بأنه تزامن متعمّد بين القصف والخنق، وهو جريمة مركّبة.

اغتيال مزدوج: سياسي واقتصادي
ما يجري هو اغتيال سياسي واقتصادي مزدوج. فالاغتيال السياسي يعني اغتيال فكرة الدولة والتمثيل والأمن المجتمعي، عبر قصف الشرطة المدنية وقتل 75 عنصرًا منها منذ الهدنة. والاغتيال الاقتصادي يعني تدمير كل مقومات الإنتاج، وإبقاء مليوني إنسان رهائن للمساعدات التي لا تدخل، ثم الحديث عن «اليوم التالي»، وكأن الفلسطيني مطالب بأن يعيش بلا ماء ولا كهرباء.
وهذه هي الفاشية الجديدة التي ترى في الفلسطيني فائضًا بشريًا يجب التحكم فيه.
اعرف أكثر
هل ينتهى “القاهرة 24” ؟ إبعاد محمود المملوك بتصعيده لقيادة الإدارة ومن هانى رفعت خليفته؟
شتاء رابع تحت الخيام
الأزمة الإنسانية لم تعد نقصًا، بل بنية مستعصية. فأنت أمام شتاء رابع في الخيام، وسيارات إسعاف لا تصل بسبب مسيّرات «الكواد كابتر»، وجثامين تحت الركام لا تُنتشل، ومستشفيات بلا تخدير.
وهذا ما يجعل مصطلح «الكارثة» قاصرًا. نحن أمام موت بطيء ممنهج، وأمام تنمية عكسية تعيد المجتمع عقودًا إلى الوراء بقرار احتلالي، وليس بكارثة طبيعية.

ازدواجية المعايير الدولية
الصمت الدولي على خرق الهدنة يكشف ازدواجية المعايير التي كتب عنها فهمي هويدي طويلًا. فالغرب الذي أقام محاكم لجرائم في مناطق أخرى خلال شهور، لا يستطيع تسمية ما يحدث في غزة إبادة، رغم الأرقام، ورغم شهادة وزارة الداخلية بأن الشرطة تُقتل أثناء واجب مدني، ورغم تحذيرات الأمم المتحدة.
والاحتلال يرد بمزيد من القصف شرق المغازي وجباليا وحي الرمال. وهذا يعني أن الاحتلال لا يريد هدنة، بل هدوءًا يخدم مصالحه.

هدنة مزيفة أم موقف موحد؟
الخلاصة أن إسرائيل لا تدير صراعًا، بل حصارًا وجوديًا يهدف إلى تصفية القضية عبر تجويع غزة واغتيالها سياسيًا واقتصاديًا، وأن الهدنة التي لا تضمن وقف القتل وإدخال الدواء والوقود وإعادة بناء المستشفيات هي هدنة مزيفة.
اعرف أكثر
بعد مستخلصات مؤتمر المؤثرين: اتهامات الجماعة الصحفية والنخبة لرشوان بتدمير الصحافة والإعلام
والمطلوب ليس إحصاء 74 ألفًا و594 شهيدًا، و1580 بعد الهدنة، بل تحويل الإحصاء إلى موقف فلسطيني وعربي وأوروبي موحد، يفرض رقابة دولية، ويحاكم مجرمي الحرب، ويكسر منطق الاغتيال المزدوج. وإلا فإن جيلًا كاملًا سيكبر تحت الركام، وينظر إلى العالم كشريك في الجريمة، لا كشاهد عليها.
