جاءنا الآن
الرئيسية » جاءنا الآن » تحليل:رسالتان متناقضتان أم متماستان؟..أمريكا من التصعيد ضد الحوثيين لسحب حاملة الطائرات!

تحليل:رسالتان متناقضتان أم متماستان؟..أمريكا من التصعيد ضد الحوثيين لسحب حاملة الطائرات!

تحليل/حاتم الجوهرى

في توقيت يكاد يكون واحد؛ قامت أمريكا باتخاذ قرارين عسكريين يحملان رسالتين قد يبدوان متضاربين لمن لا يدقق في الأمر جيدا، لكن من زاوية أكثر تدقيقا يبدو أن القرارين يخلقان حالة من التوزان في الصراع العسكري الدائر في حرب غزة، في شرق البحر المتوسط وجنوب البحر الأحمر، وفي باب المندب تحديدا بين إيران وتمدداتها الشيعية وبين أمريكا والتحالف العسكري الذي تقوده حماية للسفن الإسرائيلية.

الضرب والسحب في آن واحد

حيث قامت أمريكا باتخاذ قرار عسكري تصعيدي وقامت بضرب ثلاثة زوارق بحرية تابعة للحوثيين، على أثر تلقي إدارة التحالف العسكري نداء استغاثة من إحدى السفن، مما أسفر عن تدمير الزوارق الثلاثة وغرقها ومقتل طواقهما وفرار الرابع، ولكن في الوقت نفسه أعلنت أمريكا عن سحب حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد فورد” من شرق البحر الأبيض المتوسط، ومجموعة السفن القتالية واللوجستية المصاحبة لها وعودتها إلى ميناء نورفولك، في ولاية فيرجينيا، وتم الإعلان عن السحب بعد عملية ضرب الزوارق اليمنية بفترة وجية لا تتجاوز الساعات.

تخفيف شرق المتوسط وضبط قواعد الاشتباك مع الحوثيين

وهنا يبدو أن الأمر يمثل تصعيدا محسوبا في قواعد الاشتباك بين التحالف الأمريكي وبين الحوثيين؛ فهذه هي المرة الأولى التي تغرق فيها أمريكا زوارق يمنية تابعة للحوثيين، لكن أمريكا كان عليها أن ترسل رسالة في اتجاه آخر لإسرائيل، عن طريق سحب حاملة طائرات مقاتلة من شرق المتوسط، مرسلة الرسالة إلى إيران بأنها لا تنوي التصعيد ضدها بعد عملية ضرب الحوثيين لكنها لن ترضى بفرضهم الهيمنة التامة ومحاولة الاستيلاء على السفينة والصعود إلى متنها كما كانوا يحاولون، وفي الوقت نفسه تبعث رسالة إلى “إسرائيل” بأن المظلة العسكرية التي قامت أمريكا بمدها شرق المتوسط، لحماية القصف المساحي المفتوح للمدنيين والعقاب الجماعي في غزة لن تستمر إلى الأبد، وأن عليها أن تنهي القصف المساحي للمدنيين في أقرب فرصة.

أمريكا ترسل رسالتين مفاجأتين..بالتعامل والانسحاب في نفس الوقت

تدافع الجيولتيكي مع الجيواستراتيجي

وهذا يعود بنا إلى توزان القوى العسكرية الإقليمية أو الجيوبولوتيكية في المنطقة وعلاقتها بالساحة الجيو استراتيجية الدولية؛ لأن أمريكا لديها نقطتان نشطتان الآن بالفعل على المستوى الدولي، أحدهما مشتعلة بالفعل في أوكرانيا والأخرى قيد التسخين وجس النبض في محيط تايوان وفضائها البحري، فأمريكا في كل الأحوال لا يمكن لها أن تتحمل تسخين الملفات الثلاثة دفعة واحدة، في ظل التفوق الروسي واستراتيجية الصمود والنفس الطويل التي يتبعها بوتين، وفي ظل إصرار الصين على سياسة “صين واحدة” بينها وبين تايوان وتأكيد الرئيس الصيني على ذلك في القمة الذي جمعته يالرئيس الأمريكي في نوفمبر 2023م قبل أقل من شهرين، في ظل عملية التحدي التي جرت بينهما قبل مدة، والتي أسفرت عن إرسال الصين لمنطاد تجسس عسكري فوق أمريكا، وكشف أمريكا لذلك وإسقاطه بعد مدة.

إنقاذ الصورة الذهنية لـ”إسرائيل” والهدف الذي لم يتحقق

هنا لا تأتي السياسة الأمريكية القائمة على عدم توسعة الصراع في حرب غزة وتحوله إلى حرب إقليمية من فراغ، هي تأتي في ظل رؤية جيواستراتيجية أمريكية للمشهد العالمي، تهدف أمريكا من وراء الحرب إلى محاولة تحسين صورة “إسرائيل”، وقدرتها على الردع بوصفها ممثلة الحضارة الغربية المطلقة ووهم المسألة الأوربية القديمة وتفوقها، لكن دون أن تتحمل أمريكا تكلفة جيواستراتيجية عالية تجعلها تخسر في ملفات أخرى نشطة على أجندتها، مع حرصها على محاولة التغلب على الآثار الجيوثقافية لعملية طوفان الأقصى وهي المهمة التي ستكون شديدة الصعوبة، لكن في الوقت نفسه هناك الكثير من التناقضات المتفجرة التي نجحت سياسة تفجير التناقضات والصدام الحضاري في تحقيقها، مما يجعل هناك مساحة يمكن أن تبدأ من خلالها مراكز الأبحاث الأمريكية ومخططيها، في وضع تصورات جديدة للسيطرة الجيوثقافية على المنطقة العربية

فورد راحلة بعد فترة تواجد قصيرة دون أى تعامل

مرحلة الاحتواء الجيواستراتيجي لعملية طوفان الأقصى

الشاهد مما سبق أننا دخلنا مرحلة الاحتواء الجيواستراتيجي العالمي لآثار عملية طوفان الأقصى العسكرية التي كسرت للأبد الصورة الذهنية لجيش الاحتلال الذي لا يقهر، ولا أحد من القوى الغربية يريد أن يندفع في مغامرة عسكرية وسط برميل متفجر في المنطقة العربية، لأن الضغوط الجيوثقافية للعملية أيقظت مستودع الهوية الجامع والمشترك على المستوى العربي وضربت لحد بعيد تفاهات صفقة القرن ، وعلى المستوى الإسلامي خلقت مساحات مشتركة بين مصر وإيران وتركيا، وربما إذا زاد ضغط الغرب مستغلا التناقضات التي فجرها على المستويين العربي والإسلامي، لانقلب السحر على الساحر وتحولت المنطقة برمتها إلى مقاومة مسلحة نظامية، وغير نظامية من الفواعل الرسميين وغير الرسميين ضدهم.

المحددات الجيوثقافية الضابطة ودور الدبلوماسية العربية

من ثم من المفترض على الدبلوماسية العربية أن تكون على وعي بالمرحلة الحالية من إدارة الصراع الجيوثقافي والجيواستراتيجي، وتسعى على قدر الإمكان لاستثمار عملية طوفان الأقصى في التأكيد على ثوابت مستودع الهوية العربي.
وفي القلب منها قضية فلسطين ومدينة القدس والمسجد الأقصى، والسعي لزيادة مساحة المشترك الثقافي عموما، والعمل لزيادة احترام القيم والثوابت العربية بوصفها كتلة جغرافية ذات أهمية جيوثقافية متجذرة في المشهد العالمي، ساعية الدبلوماسية العربية للتطوير من أدائها بقوة وتوظيف الفرصة الجيوثقافية الممكنة للبناء عليها.
وأن تلتفت الدبلوماسية العربية لفرصة التحول لمركز جيوثقافي عالمي جديد، وتتجاوز فكرة الذيلية والتبعية الجيوثقافية والجيواستراتيجية إرث التناقضات القرن العشرين، ومرحلة التسعينيات وسياسات الصدام الحضاري ونظرياته التي تحاول إعادة إنتاج المسألة الأوربية مجددا.
والمهم أن تلتفت الدبلوماسية العربية لضرورة تغيير السياسات والأفراد وتجاوز التناقضات، التي أوصلت الذات العربية لما هي فيه، مع سرعة ضبط الموارد الناعمة والخشنة لتحقيق الهدف، وأن تكون الجغرافيا الثقافية العربية وثوابتها هي بوصلة التصحيح التي تضبط الجميع، وتعيد صياغة الأمن القومي العربي في القرن الحادي والعشرين.

عن الكاتب

الوسوم

One thought on “تحليل:رسالتان متناقضتان أم متماستان؟..أمريكا من التصعيد ضد الحوثيين لسحب حاملة الطائرات!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *