تحليل/ إبراهيم ريحان
“قاليباف” بالفارسية تعني حائك السّجّاد. محمّد باقر قاليباف، أو محمّد باقر “حائك السّجاد”، رئيس مجلس الشّورى الإسلامي في إيران، والذي صعد أسمه في صدراة الأحداث خلال الفترة التى تلت اغتيال لاريجاني بالذات، هو أحد أبرز رجالات نظام الجمهوريّة الإسلاميّة، ضابطٌ سابقٌ في “حرس الثّورة الإسلاميّة”، ومُقرّبٌ من أسرة خامنئي ورفيق دربِ الجنرال قاسم سُليْماني.
عايشَ قاليباف كلّ تجربة المُؤسّسات في إيران، بدءاً من خنادق الحربِ مع إيران، التي جمعته بسليْماني، وصولاً إلى رئاسة البرلمان، ومروراً بتسلّم منصبِ عُمدة العاصمة طهران.
اعرف أكثر
إسلام كمال يسطر: المحور الثلاثي السنى..ينقل مصر لمصاف أخرى..فهل نستثمره؟
يُشبه قاليباف النّظام، أو ربّما النّظام يُشبهه. يستثمر النّظام شديدي الولاء ويمنح الفرص للنّاجين من معارك الدّاخل والخارج، وهكذا هو قاليباف.
يُعتبر محمّد باقر قاليباف أحد أبرز رجالات مؤسّسة الحرس الثّوريّ، وهي المؤسّسة القابضة على الحُكمِ في إيران بشكلٍ كاملٍ منذ لحظة اغتيال المُرشد علي خامنئي.

أصول مهنة “القاليباف”
لا تُعتبر “حياكة السّجّاد” مهنة في الوجدان الفارسيّ وحسب، بل هي صورة تاريخيّة – ثقافيّة لها عمقها الضّارب في جذور الثّقافة المجتمعيّة في إيران. إذ تجمعُ هذه المهنة بين 3 عناصر، يُمكن إسقاطها على مهمّة التفاوض مع الولايات المُتّحدة التي باتت من مسؤوليّة محمّد باقر قاليباف بعد اغتيال أمين مجلس الأمن القوميّ علي لاريجاني:
اعرف أكثر
نذير شؤم الغربان يرعب الإسرائيليين: المبشرون بسقوط إسرائيل؟
الصّبر الاستراتيجيّ: تحتاجُ مهنة حياكة السّجّاد إلى صبرٍ طويلٍ، إذ يجلس “الحائك” لأشهر طويلة وهو يحوكُ العقدة تلوَ الأخرى لإتمام اللوحة الأخيرة. واليوم مهمّة محمّد باقر قاليباف هي غزلُ خيوط أيّ اتّفاقٍ مُحتمل يضمن “النّسيج” النّهائيّ من التمزّق أو التّنصّل.
تشابك العقد: ليسَت المفاوضات مع واشنطن خطّاً مستقيماً، بل مجموعة “عقد” مُتشابكةٍ من المصالح والمطبّات عنوانها: المصالح، العقوبات، والضّمانات. هناك يأتي دور “الحائك السّياسيّ” ليعرفَ متى يشدّ الخيْطَ ومتى يرخيه، ويختارَ الألوان التي تتناسبُ مع هويّة السّجّادة.

مهمّة قاليباف اليوم هي أن يختبِرَ متانة الخيوط التي بين يديه. بالنسبة للنظام الإيرانيّ، أيّ اتّفاقٍ لا يضمنُ وقف الحربِ ورفع العقوباتِ كاملة ويوقف الضّغوط، هو خيطٌ واهنٌ لا يصلحُ للحياكة.
النّتيجة النّهائيّة: لا تُعتبر المفاوضات بالنّسبة لقاليباف ورقة سياسيّة لتوقيعها وحسب. هل هي “لوحة سجّادةٍ” ينبغي أن تكونَ متوازنة الأركانِ، تماماً كما هو حال “السّجّاد الإيرانيّ” الذي تزداد قيمتهُ كُلّما كانَت حياكتهُ مُتقنةً أكثر في أدقّ تفاصيلها، فالخطأ في غرزةٍ واحدةٍ كفيلٌ بإفساد التّصميم كاملاً.
اعرف أكثر
رئيس الأركان الأوغندي الدموى يغري إسرائيل بغزو إيران لتدعمه في خلافة إبيه
لا تدير إيران تبادل الرّسائل مع واشنطن بصيغةِ “نعم” أو “لا”، بل هي عمليّة “حياكة سياسيّة” يقودها نهجٌ اسمه “قاليباف” يرى أنّ الاتّفاقَ النّاجح هو الذي يُنسج ببطءٍ وأعصابٍ باردة ليتوافق مع القياسات التي تُريدها طهران.
ميزة “الشّرعيّة”
يجمعُ محمّد باقر قاليباف بين 3 ميزاتٍ تمنحهُ “الشّرعيّة” لإبرام أيّ اتّفاقٍ مع الولايات المُتّحدة، وتتيحُ له إمّا “التّراجع التكتيكيّ” أو حتّى “التّنازل الاستراتيجيّ”، الذي يُشبه “تجرّع كأس السّمّ” الذي استطاع المؤسّس روح الله الخمينيّ حملَ “وزره” لوقف الحرب مع العراق:

يُعتبر محمّد باقر قاليباف أحد أبرز رجالات مؤسّسة الحرس الثّوريّ، وهي المؤسّسة القابضة على الحُكمِ في إيران بشكلٍ كاملٍ منذ لحظة اغتيال المُرشد علي خامنئي. صعدَ في صفوف “الحرسِ” منذ مشاركته في الحرب العراقيّة – الإيرانيّة، وتدرّج بصفوف الحرس حتّى باتَ من أصغرِ قادته سنّاً.
لعبَ دوراً أساسيّاً في برنامج الصّواريخ البالستيّة. ونسجَ علاقةً متينة بقاسم سليماني بعد علاقةٍ شخصيّة بدأت بين الرّجليْن بخنادق الحربِ مع صدّام حسين حين جمعتهما “الفرقة 21 إمام رضا”.
اعرف أكثر
ولم يقف دوره في الحرس الثّوريّ عند حدود “العسكر”. إذ ساهمَ في تمدّد الحرس اقتصاديّاً وسياسيّاً بعد انتهاء الحربِ مع العراق، على عكس الآلاف الذين غادروا صفوف “الحرس” بعد انتهاء الحرب.
في هذا الإطار، تولّى قيادة “مجمّع خاتم الأنبياء” الذّراع الاقتصاديّة للحرس الثّوريّ ونقله من مؤسّسة هندسيّة تُعنى بإعادة الإعمار، إلى أهمّ إمبراطوريّة ماليّة – اقتصاديّة في إيران.

وتربطهُ علاقة قرابةٍ لجهة زوجته بأسرة خامنئي، التي تنحدرُ مثلَ قاليباف وزوجته زهراء مشير من مدينة مشهد. لا تُعتبر مشهد مدينة دينيّة في إيران وحسب، بل هي خزّان النّخب الإيرانيّة.
وفيها تتقاطع المؤسّسة الدينيّة مع مؤسّسات الحرس الثّوريّ. في بلدٍ مثل إيران لا تُعتبر العلاقة العائليّة بأسرة المُرشد علاقة عاديّة، بل هي “حصانة” كاملة وشرعيّة ثوريّة ودينيّة، وهذا ما يُفسّر نجاة قاليباف من تورّطه في ملفّات فساد أثناء تولّيه عمدة طهران.
اعرف أكثر
القصة الكاملة: الكويت تعتقل إسرائيليا يصور قطع بحرية أمريكية بالخليج
أثير جدل حول دور مؤسّسات مرتبطة بأسرتِهِ، ومنها جمعيّة خيريّة كانت زوجته زهراء من القائمين عليها، وحول اسم نجلهِ في ملفّات أخرى، حتّى ظهرت فضيحة “سيسموني غيت” في 2022 لتضيف إلى صورته عبئاً جديداً، حين أُثيرت ضجّة واسعة حول رحلة عائليّة إلى تركيا لشراء مستلزمات غالية الثّمن.
على الرّغم من عدم وصول القضيّة إلى مآلات قانونيّة، عزّز تراكم شُبهات الفساد الانطباع بأنّ قاليباف نموذج عن صورة السياسيّ الذي تحيط به شبكات المصالح والامتيازات، بعيداً عن “تضحياته الجهاديّة” وشخصيّته “الثّوريّة”.

