جاءنا الآن
الرئيسية » نشرة الأخبار » د.حامد عز الدين يسطر: لا ترادف في القرآن..فما معنى هذه المتشابهات؟!

د.حامد عز الدين يسطر: لا ترادف في القرآن..فما معنى هذه المتشابهات؟!


عندما سئل العلامة الدكتور فاضل السامرائي – أطال الله في عمره – : هل هناك ترادف في القرآن الكريم ؟ .. رد على الفور” لا ترادف في القرآن الكريم على الحقيقة مطلقا “.

هو بهذا كان يؤكد ما قاله ابن تيمية رحمه الله: الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن فإما نادر وإما معدوم، وقَلَّ أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريب لمعناه، وهذا من أسباب إعجاز القرآن.

ذلك أن الله سبحانه وتعالي يصف القرآن الكريم في الآيه 1 من سورة هود : “الٓر ۚ كِتَٰبٌ أُحْكِمَتْ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ” .. فهو كتاب أتقنت وأحسنت آياته ، صادقة أخبارها، عادلة أوامرها ونواهيها، فصيحة ألفاظه بهية معانيه.{ ثُمَّ فُصِّلَتْ }- أي: ميزت وبينت بيانا في أعلى أنواع البيان، { مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ } يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها، لا يأمر ولا ينهى إلا بما تقتضيه حكمته، { خَبِيرٌ } مطلع على الظواهر والبواطن.

كانت هذه مقدمة لازمة وواجبة قبل التفريق في كتاب الله بين لفظي الموتى والأموات , وبين لفظي الأنفس والنفوس , وبين الفارق في المعنى بين الأجل والأجل المسمى . فلكل كلمة من هذه الكلمات دلالاتها في ظل قاعدة “لا ترادف في القرآن الكريم ” .

وفي الآية 154 من “البقرة” : ( وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ ) .. وأيضا الآية 169 من “آل عمران ” : ( و َلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)

فهنا ينفى المولى سبحانه وتعالى أن يكون من قتل في سبيل الله من الأموات وهي جمع “ميت – بتسكين الياء ” وهي الصفة التي يتم اطلاقها على الذين ماتوا ميتة طبيعية بعدما استوفوا ” الأجل المسمى” , فهؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله هم من “الموتى ” الذين لم يستوفوا “الأجل المسمى ” , وإنما استوفوا “الأجل” فحسب .

أي أن أجسادهم هي التي “خمدت ” فيما تبقى النفس “مفرد الأنفس ” وهي الطاقة المسؤولة عن تشغيل الأجساد موجودة على الأرض في انتظار عودتها النهائية الى ربها راضية بعد اكتمال الأجل المسمى وهذا هو معنى “النفوس زوجت” في الآية 7 من سورة التكوير ” وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ” . وقتذاك تعود النفس المطمئنة إلى ربها راضية مرضية كما في الآيات من سورة الفجر :” يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)” .

و ببساطة فهناك استحالة في إعادة إحياء الأموات , لكن الله قادر على إحياء الموتى وكذلك فعل خليل الله ابراهيم عليه السلام والمسيح عيسى ابن مريم بأمر الله .

وفي الآية 260 من سورة البقرة يقول الله تعالى : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) . فقد ذبح ابراهيم الأربعة من الطير فصرن موتى – وليس أمواتا – ثم عادت الطير الى ابراهيم الخليل سعيا .

وكذلك المسيح عيسى بن مريم كما في قوله تعالى: ( وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) – “آل عمران:49” .

كذلك كلمة الأنفس لن تجدها مستخدمة في القرآن الكريم إلا للأحياء أو ما قبل البعث . (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) – 165ال عمران . وكذلك في الآية 178 آل عمران (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهُمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) .

وفي الآية 64 من سورة النساء (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) .

أما النفوس فتستخدم كجمع للنفس بعد الموت . كما في الآية 25 من سورة الاسراء : ( رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا) . وايضا في الآية 7 من سورة التكوير : (وإذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) .

وقد يكون في الآية الرقم 42 من سورة الزمر مزيد من الايضاح ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) .

فحين النوم نفقد وعينا وتخمد الأجساد لكن يظل التنفس مستمرا ( وهذا هو التوفى ) أو المنام الجزئي الذي نستيقظ بعده “نبعث مجددا ” . اما التي قضي عيها الموت فيمسكها ويتحول هذا الى المنام الكلي للأموات .

الموضوع لا يزال مفتوحا لمزيد من التدبر في كتاب الله المعجز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. 

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *