

أصعب الاختبارات
وأكمل الباحثان في تقديرهما الموجه، هذه الأيام تمر 45 عاما على السلام بين إسرائيل ومصر، في ظل ما وصفوه بمذبحة 7 أكتوبر والحرب التي اندلعت في أعقابها. لقد وضعت أحداث الأشهر القليلة الماضية القاهرة وتل أبيب أمام أحد أصعب الاختبارات التي عرفاها على الإطلاق، لكنها لم تؤثر حتى الآن على الطابع المتناقض التقليدي لعلاقاتهما.
من الناحية العلنية، سُمع خطاب رسمي في مصر وإسرائيل يعبر عن الحقد والعداء والشك وعدم الثقة؛ في المقابل، استمر الحوار الأمني الهادئ والالتزام المتبادل باتفاق السلام واستيعاب المصالح الاستراتيجية المتضمنة فيه.
علاقات محسنة
وأضافا : هذه الطبيعة الثانية، رغم أنها أصبحت مع مرور السنين جزءاً عضوياً من “السلام البارد”، لكنها ليست بالوضع الصحي. يجب على القاهرة وتل أبيب أن تسعى جاهدة – بمساعدة أصدقائهما – لبناء صيغة علاقة محسنة تخدم مصالحهما الثنائية والإقليمية بشكل أفضل، سواء أثناء الحرب أو في اليوم التالي.

وانتقدت الورقة الإسرائيلية الموقف المصري من أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول ، فيقولون كان هناك من توقع في إسرائيل إدانة مصرية حازمة للمذبحة التي ارتكبتها حماس، ابنة حركة الإخوان المسلمين، والتي كانت حتى وقت قريب تغذي الإرهاب ضد الجيش المصري في شبه جزيرة سيناء. لكن من جهتها، اكتفت القاهرة بدعوة إسرائيل إلى ضبط النفس وحمّلتها مسؤولية التصعيد. وفق الورقة الإسرائيلية .
أسلوب السيسي غير المعتاد
وأكملت الورقة: .. وعلى النقيض من الأسلوب المعتدل الذي يميز الرئيس عبد الفتاح السيسي عادة، فقد حذر من المظاهرات الحاشدة إذا تحركت إسرائيل لنقل الفلسطينيين إلى سيناء، حتى أنه وصف إسرائيل فيما بعد بـ”نظام الاحتلال” . وتبني كبار المسؤولين في الحكومة المصرية الموقف المتشدد الذي قدمه، واصطدم الممثلون المصريون مع إسرائيل في المناقشات التي جرت في الأمم المتحدة وفي محكمة العدل الدولية في لاهاي.
وأردفت الورقة الإسرائيلية: .. وفي الوقت نفسه، وُجهت انتقادات قاسية وغير معتادة إلى مصر من الجانب الإسرائيلي. وحمل وزير المالية بتسلئيل سموتريش القاهرة “مسؤولية كبيرة” عن أحداث 7 أكتوبر. وعلى حد قوله، فإن مصر “غضت الطرف لسنوات ومكنت من التسليح المجنون لحماس”، وبالتالي فإن تورطها الوحيد في مستقبل غزة سيتم التعبير عنه من خلال السماح لسكان القطاع بالذهاب إليه ومن خلاله إلى بلدان اخرى.

رسائل التطمينات الدعائية
مما أثار استياء مصر أن الوزراء والساسة والإعلاميين الإسرائيليين دعوا إلى نقل سكان غزة، أو أجزاء منهم، إلى أراضيها – وهي خطوة اعتبرتها القاهرة بمثابة تجاوز للخط الأحمر وتهديد لأمنها القومي.
وأفادت الورقة الإسرائيلية: على الرغم من رسائل التطمينات العلنية والصامتة المرسلة من تل أبيب إلى القاهرة، فمن الواضح أن النظام المصري شكك في قدرة إسرائيل على استكمال نزع سلاح حماس دون أن يؤدي ذلك – عن طريق الخطأ أو عن قصد – إلى تدفق اللاجئين إلى مصر.
.. والرسائل التحذيرية
وبالتالي أرسل رسائل تحذيرية إلى إسرائيل بشأن العواقب الخطيرة للعملية بالقرب من حدود رفح. بالإضافة إلى ذلك، عكس الخطاب المنتقد لإسرائيل طموح السيسي لحماية صورته في الشارع المصري والعربي ضد الأصوات المتطرفة من دول مثل إيران ومن أحزاب المعارضة الإسلامية، التي اتهمت النظام المصري بإدارة ظهره للفلسطينيين.
وفندت الورقة الإسرائيلية ترويجها بقولها: .. كما كشفت الحرب عن الانقسام القائم في الدوائر الحكومية في القاهرة بين القلة التي ترى في إسرائيل جارة مفيدة، والتيار الرئيسي الذي يواصل تبني مواقف شعبوية وعدائية ذات لهجة ناصرية وحتى إسلامية.
من الأمثلة على هذا الانقسام الفجوة بين كلام رئيس هيئة الاستعلامات المصرية، ضياء رشوان ، الذى حذر في يناير/كانون الثاني من أن الاحتلال الإسرائيلي لمحور فيلادلفيا سيهدد العلاقات السلمية بين البلدين، وكلام وزير الخارجية سامح. شكري، الذي أكد بعد عدة أسابيع على التزام مصر الثابت بالسلام.
الخطاب المصري الداعم لحماس
وأضاف الباحثان المصري الأمريكي والإسرائيلي : الخطاب الذي يتعرض له المصريون في وسائل الإعلام الرسمية لا يحسن الصورة. ويميل المعلقون العسكريون المصريون إلى اعتبار حماس حركة مقاومة مشروعة.

ويتبنى الأزهر، المؤسسة الدينية الرائدة في العالم السُنّي، خطاباً مناهضاً لإسرائيل يذكرنا بخطاب الإخوان المسلمين. في يوم المذبحة، حتى قبل أن يرد عليها جيش “الاحتلال ” الإسرائيلي، أشاد الأزهر بما وصفته الورقة الإسرائيلية بالعمل الإرهابي الذي قامت به حماس، ومنذ ذلك الحين يشن الأزهر حملة تشهير منظمة ضد إسرائيل.
وقد تم بث هذه الروح في مصر خلال الشهر الفضيل، كما تحظى التعبيرات المعادية للسامية بتغطية واسعة في بعض وسائل الإعلام في مصر.
المواقف المصرية المختلفة
وأوضح التقدير الإسرائيلي: في الوقت نفسه، هناك عدد قليل من وسائل الإعلام والمثقفين المصريين الذين يجرؤون على انتقاد تصرفات حماس في 7 أكتوبر بشكل علني وحاسم ولا لبس فيه. وفي الواقع، فإن معظم الفظائع التي ارتكبتها حماس يوم المجزرة لم يتم نشرها على الإطلاق في وسائل الإعلام الرسمية في مصر. وتم إسكات مؤيدي حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ووجدوا أنفسهم تحت هجوم علني مكثف.
وفي إحدى الحالات، أُجبرت باحثة على مغادرة مصر خوفًا على سلامتها الشخصية ” ويقصد التقدير الإسرائيلي داليا زيادة التى أجرت حوارا مع أحد باحثي الورقة أوفير وينتر، وهاجمت فيه الفلسطينيين ودافعت فيه عن الإسرائيليين .

في المقابل، انتشرت في مصر دعوات لمقاطعة إسرائيل والشركات العالمية الداعمة لها. وقام أكثر من مليون مصري بتثبيت تطبيق “كاشيتي” (“مصلحتي [الفلسطينية]”)، لتحديد الشركات التي يجب مقاطعتها، وهي الظاهرة التي أدت إلى فصل آلاف العمال المصريين، وفق إشارة الورقة الإسرائيلية.
“مراسي السلام في أوقات الأزمات”
وأضافت الورقة الإسرائيلية: .. وعلى الرغم من التوترات التي شهدتها العلاقات بين القاهرة وتل أبيب منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، إلا أن التعاون العسكري الوثيق الذي طورته مصر وإسرائيل ، على مدى العقد الماضي حول أمن الحدود ومكافحة الإرهاب كان له الفضل حتى خلال الأزمة الحالية.
في بداية الحرب، عندما تسربت النيران الإسرائيلية إلى داخل مصر عن طريق الخطأ، لم يكتف المتحدث باسم الجيش المصري بعدم التعبير عن غضبه، الأمر الذي كان من الممكن أن يثير رد فعل شعبي متصاعد، بل أصدر رسالة متوازنة لتهدئة النفوس، وفق رؤية الورقة.

المحادثات الأمنية أنجح من السياسية
وأكملت الورقة الإسرائيلية: .. بينما لم يكن هناك، على حد علمنا، أية محادثات بين قادة مصر وإسرائيل منذ اندلاع الحرب، فقد وردت التقارير عن وفود أمنية رفيعة المستوى، إسرائيلية ومصرية، سافرت بين تل أبيب والقاهرة ، شاركت في التنسيق ، لإنشاء آلية لإدخال المساعدات الإنسانية من مصر إلى غزة بعد التفتيش الأمني في إسرائيل.
وبالطبع – في الوساطة في مفاوضات المختطفين. وبينما تتمتع قطر بنفوذ على قيادة حماس في الدوحة، فضلا عن قوتها المالية والإعلامية، فإنه لا بديل عن مساهمة مصر في جهود تحرير المختطفين نظرا لموقعها الجغرافي، وارتباطاتها المباشرة بالفصائل في غزة وأذرع التنظيم. الضغط الموجود تحت تصرفها. كما أن مصر ـ على النقيض من قطر ـ تشترك مع إسرائيل في النفور المبدئي من حماس والنموذج الإسلامي الذي تمثله، كما يروج التقدير الإسرائيلي.
وكتب الباحثان المصرى الأمريكى والإسرائيلي : .. علاوة على ذلك، منحت الحرب القاهرة مكانة سياسية إقليمية رائدة على الساحة الإسرائيلية الفلسطينية، لم تتمتع بها منذ سنوات. وفي مواجهة عقد من الركود في المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، تضاءل دور مصر كوسيط للسلام، في حين تحدت أنقرة والدوحة وطهران نفوذها في قطاع غزة من خلال تمويل واستضافة وتدريب نشطاء حماس.

وفي ظل هذه الظروف، اكتفت القاهرة بالوساطة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في غزة، والمشاركة في إعادة إعمار القطاع بعد جولات القتال. وتزايد تهميشها الإقليمي بعد “اتفاقيات إبراهيم”، عندما انحرفت دول السلام الجديدة بشكل حاد عن صيغة السلام الباردة التي أملتها.
انتقاد أمريكا وإسرائيل
واعترف التقدير الإسرائيلي بأن واشنطن وتل أبيب ركزتا على توسيع دائرة السلام مع دول السلام الجديدة، وكانتا أقل اهتماماً بالدولة العربية الأولى التي مهدت الطريق نحوه. وهذا الواقع يتغير تدريجياً على خلفية الحرب في قطاع غزة، ومن المرجح أن يكون الأمر كذلك أيضاً بالنسبة للترتيبات التي ستتبلور بعدها.
ويبدو أنه مع تقدم إسرائيل في المعركة ضد حماس وتهدئة المخاوف المصرية بشأن نقل لاجئي غزة، سيكون لذلك تأثير إيجابي على الخطاب في مصر، ولو بشكل طفيف. وفق الورقة الإسرائيلية.

هجوم شكرى على حماس
أشار الباحثان المصري الأمريكى والإسرائيلي إلى هجوم وزير الخارجية شكري على حماس في فبراير/شباط، خلال نقاشه مع الوزيرة الإسرائيلية السابقة تسيبى ليفنى في مؤتمر ميونخ الأمنى ، قائلاً إن المنظمة “خارجة عن الإجماع الفلسطيني”.
تعكس هذه الكلمات مكانة مصر التاريخية منذ الانقلاب في القطاع عام 2007، ولكنها قد تشير أيضًا إلى اعترافها الأولي بموقف التنظيم الضعيف على الساحة الفلسطينية. إلى ذلك، ميز المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية أحمد أبو زيد بين التصريحات القادمة من سياسيين من الطيف السياسي في إسرائيل والخط الرسمي لحكومتها.
العلاقات الاقتصادية لم تتأثر بالعكس
وأفادت الورقة الإسرائيلية: النقطة المضيئة الأخرى هي العلاقات الاقتصادية بين مصر وإسرائيل، خاصة في مجال الطاقة، والتي استمرت كالمعتاد حتى أثناء الحرب.
وعلى الرغم من التوقف المؤقت لتدفق الغاز من إسرائيل إلى مصر في بداية القتال، سرعان ما عادت العلاقات إلى مسارها، وتستمر خطط توسعها المستقبلي في مارس/آذار. وسجلت واردات الغاز الإسرائيلي إلى مصر زيادة بنسبة 25% في عام 2023، ومن المتوقع أن تزيد في السنوات التالية بشرط توسيع البنية التحتية للنقل.

وعلى الرغم من الدعوات إلى المقاطعة الاقتصادية، فإن حصة كبيرة من الغاز الذي تعتمد عليه مصر في الطهي واحتياجات الكهرباء – حتى خلال شهر رمضان الأخير – تتدفق من إسرائيل، لصالح الجانبين، وفق إشارة الورقة الإسرائيلية.
توصيات إسرائيلية
ويري الباحثان المصري الأمريكي والإسرائيلي في نهاية تقديرهما المعوج الموجه غير المنهجى، أن الحرب هي تذكير أساسي بقيمة السلام ومصلحة الأطراف في الحفاظ عليه.
وتطالب الورقة الإسرائيلية: .. يتعين على مصر أن تخفف من حدة الخطاب المناهض لإسرائيل الذي استخدمته في الأشهر الستة الماضية، والذي كان موجهاً في بعض الأحيان من أعلى.
وترى : .. مثل هذا الخطاب لا يسهم في جهود إحلال السلام الإقليمي، بل يصب الزيت على النار المشتعلة حاليا في الرأي العام في مصر والدول العربية.

وأضافت: .. كما أن التعبير عن الكراهية ضد إسرائيل واليهود يخدم أجندة الإخوان المسلمين وإيران والمحور الذي يزعزع استقرار المنطقة.
المطلوب من إسرائيل
ويزعمان حسنين ووينتر : إن الموقف المصري المتوازن، الذي يدافع عن حماس – البادئة بالحرب – عن أفعالها، ويشير في الوقت نفسه إلى الأخطاء المتعلقة بسلوك إسرائيل في الماضي والحاضر على الساحة الفلسطينية وفي حربها ضد الإرهاب، سيكون أكثر فائدة وإنصافاً. .
وتطالب الورقة الإسرائيلية تل أبيب بإبداء حساسية أكبر تجاه هموم مصر ومصالحها في غزة وسيناء، ولاعتبارات الرأي العام أمام أعين قادتها.

وشدد البحث الإسرائيلي على أن الدخول الإسرائيلي المكثف إلى رفح يجب أن يتم بالتنسيق مع القاهرة وواشنطن، ولم يطالب بإيقافه، في تأكيد على كونه تقدير موجه غير منهجى. وبعد دراسة البدائل الأخرى.
لا تحرجوا مصر
وأشار الباحثان إلى أنه من الأفضل لإسرائيل أن تتجنب التصريحات العلنية التي قد تحرج مصر. وعليها أن تفضل الحلول التي سيتم التوصل إليها من خلال حوار هادئ مع القاهرة، حتى لو كان الجيش الإسرائيلي عندما يدخل رفح سيصادف أنفاقاً كانت حماس تستخدمها لتهريب الأسلحة من مصر إلى غزة.
وأضافت الورقة الإسرائيلية: يمكن لدول الخليج التى وصفتها بالبراجماتية، بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، والتي لديها مصلحة في إنهاء حكم حماس في غزة وتمهيد الطرق لحل المشكلة الفلسطينية، تقديم المساعدة المالية لمصر في إعادة إعمار غزة والمساهمة في إعادة إعمارها. ومضاعفة الجهود المبذولة لتشكيل واقع يضمن الاستقرار طويل الأمد في القطاع والساحة الفلسطينية والمنطقة.

الأسبقية
وطالب التقدير الإسرائيلي واشنطن بتشجيع مصر على اتخاذ موقع قيادي في القضايا الإسرائيلية الفلسطينية وأن تكون لها الأسبقية على الدول المؤيدة للإسلاميين، وخاصة تركيا وقطر، المهتمتين ببقاء حماس في قطاع غزة.
بل ويمكن لمصر أن تلعب أدوارًا في تدريب المسؤولين الحكوميين الفلسطينيين الجدد في غزة ونقل المساعدات الإنسانية إليهم، وفي زيادة الجهود الرامية إلى إحباط التهريب من سيناء إلى غزة، فوق الحدود وتحتها، وفي إعادة تأهيل غزة، وفي استئناف محادثات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، عندما تكون الظروف مهيأة لذلك. كما أن هذه الخطوات من شأنها أن تعزز مكانة مصر الإقليمية واستقرارها الداخلي.

الدرس المهم
واختتم الباحثان هشام حسنين واوفير وينتر ورقتهما الصهيونية ، بتأكيدهما : .. وأخيرا، ستكون العلاقات الإسرائيلية المصرية مربحة إذا تم الترويج لها كجزء من المبادرات الأمريكية لتشجيع التطبيع بين إسرائيل والدول العربية والإسلامية الأخرى.
وسيكون هذا درساً مهماً لمن فكر في اعتداء 7 تشرين الأول/أكتوبر، وهو أن الإرهاب الإسلامي لن يعيق العلاقات العربية الإسرائيلية، حسبما وجها التقدير الملون غير الاحترافي بالمرة.

