
محمد شاهين
في ظل استمرار الحصار المفروض على قطاع غزة تتكشف معالم سياسة ممنهجة تهدف إلى تحويل الجوع إلى أداة ضغط سياسي وقانوني وإنساني، مع تكون المشهد الإسرائيلي في نطاق الانتخابات المصيرية والأهم منذ بداية الكيان.
إن ندرة الدقيق التي أدت إلى إغلاق عشرات المخابز ليست مجرد أزمة لوجستية عابرة بل هي نتاج قرارات مدروسة تقيّد دخول السلع الأساسية بما يخالف أحكام القانون الدولي الإنساني الذي يجرّم استخدام التجويع كوسيلة حرب فوفقا للبيانات الميدانية الأخيرة توقف نحو عشرة مخابز تجارية من أصل سبعة عشر عن العمل بسبب نفاد الدقيق التجاري فيما باتت المخابز المتبقية مهددة بالإغلاق الكامل.
وذلك وسط تقليص برنامج الأغذية العالمي لمساعداته بسبب نقص التمويل هذا الواقع يعيد إنتاج مشاهد المجاعة التي حذرت منها المنظمات الحقوقية مرارا ويضع أكثر من مليوني فلسطيني أمام خطر انعدام الأمن الغذائي الحاد بينما يتجاهل العالم بأسره هذا الوضع المأساوي ويصمت صمتا مطبقا أمام جريمة هندسة الجوع.
اعرف أكثر
مفارقة منتدى مصر: بدأ الدولار بسعر وينتهى بانفجار..والأسواق تشتعل والمواطن يدفع الثمن كالعادة
ما يجري يتجاوز مجرد إغلاق معابر أو عرقلة شاحنات إنه هندسة متعمدة للمجاعة تستهدف كسر الإرادة الشعبية عبر السيطرة على أبسط مقومات الحياة القانون الدولي بما في ذلك اتفاقيات جنيف يحظر صراحة حرمان المدنيين من الغذاء والدواء ويصنف ذلك جريمة ضد الإنسانية إذا ثبت القصد المنهجي ومع ذلك تستمر القيود الإسرائيلية على دخول الدقيق التجاري والوقود اللازم لتشغيل المخابز مما يرفع أسعار الخبز إلى مستويات تفوق قدرة الأسر النازحة.

ويفتح الباب أمام الاستغلال التجاري في سوق سوداء قاسية التحذيرات الصادرة عن وزارة التنمية الاجتماعية في غزة والمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان تؤكد أن استمرار هذا النقص سيؤدي إلى تداعيات كارثية على الأطفال وكبار السن والمرضى ويعيد القطاع إلى حافة المجاعة التي شهدها سابقا في حين يواصل المجتمع الدولي تجاهله المتعمد لهذه المأساة الإنسانية الكبرى.
في مواجهة هذا الواقع القاسي برزت اللجنة المصرية في قطاع غزة كمبادر عملي سريع يسعى إلى كسر حلقة التجويع أعلنت اللجنة بدء تسيير شاحنات محمّلة بكميات من الدقيق لدعم المخابز المحلية بهدف تعزيز قدرتها على الإنتاج وتوفير الخبز بأسعار مناسبة ومنع استغلال حاجة المواطنين هذه الخطوة جاءت بسرعة لافتة استجابة مباشرة لمناشدات الأهالي في المحافظات الخمس.
اعرف أكثر
وتزامن مع توزيع عشرات الآلاف من أرغفة الخبز يوميا بالشراكة مع مؤسسة المطبخ المركزي العالمي إضافة إلى توزيع الدقيق واللحوم المعلبة إنها ليست مجرد مساعدات إغاثية عابرة بل تدخل استراتيجي سريع يعكس التزاما مصريا مستمرا وفعالا بدعم صمود الشعب الفلسطيني في وجه السياسات الرامية إلى تفكيك النسيج الاجتماعي عبر الجوع بينما يقف العالم متفرجا صامتا.

غير أن هذا التدخل السريع رغم أهميته يكشف محدودية الجهود الأحادية في مواجهة سياسة هندسة المجاعة فالقطاع يحتاج إلى تدفق مستمر وآمن لآلاف الأطنان من الدقيق يوميا وليس شحنات محدودة وإلى ضغط دولي حقيقي يفرض فتح المعابر وفق قواعد القانون الدولي.
إن الاعتماد على المبادرات الإنسانية وحدها لا يكفي لمواجهة جريمة ممنهجة بل يتطلب تحركا سياسيا وقانونيا يحاسب المسؤولين عن استخدام الغذاء كسلاح ويضمن وصول المساعدات دون قيود تعسفية لكن العالم يواصل تجاهله الفاضح لهذا الوضع المأساوي ويترك الفلسطينيين يواجهون الجوع وحدهم.
اعرف أكثر
يتحول لحدث سنوى: مدبولي يختتم منتدى مصر بصورة جماعية ولا حسم للأزمات التى بدأ بها
وفي النهاية تبقى هندسة المجاعة في غزة شاهدا على فشل المنظومة الدولية في حماية المدنيين ودليلا على أن الصراع لم يعد عسكريا فحسب بل أصبح حربا على رغيف الخبز نفسه الدعم المصري السريع للمخابز يمثل بارقة أمل حقيقية ويشكر على سرعة استجابته، لكنه يذكرنا بأن الصمود الفلسطيني يحتاج إلى إرادة سياسية جماعية تحول دون تحويل الجوع إلى واقع دائم في ظل صمت العالم المخزي.
