
ـ من المشاركة في النقاش إلى المشاركة في صناعة القرار ومتابعة تنفيذه
مع اقتراب انعقاد «منتدى مصر 2026»، المقرر خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر، تتجدد الآمال في مساحة تجمع مؤسسات الدولة والخبراء والمواطنين لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة. وقد دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي، عند إعلان إطلاق الجلسات التحضيرية والموقع الإلكتروني للمنتدى، مختلف الأطياف والتوجهات إلى المشاركة وإبداء الآراء وتسجيل المقترحات.
لكن السؤال الذي سيحدد قيمة هذه التجربة يتجاوز عدد الجلسات والمشاركين: ماذا سيضيف المنتدى بعد الحوار الوطني؟ وكيف تتحول مناقشاته إلى أثر يشعر به المواطن في دخله، وخدماته، وفرص عمله، وقدرته على التخطيط للمستقبل؟
هذا سؤال مشروع، والإجابة عنه تبدأ بالاعتراف بأن تغيير اسم منصة الحوار لا يصنع وحده تجربة مختلفة. الفارق الحقيقي تصنعه طريقة إدارة النقاش، ووضوح الالتزامات التي تخرج منه، والقدرة على متابعة ما تحقق منها.
اعرف أكثر
انتصار معنوى للشارع ويقظة تفاعلية من الدولة: إندكس ترصد ردود فعل الإبقاء على أسعار الوقود حتى ديسمبر
البناء على الحوار الوطني
الإنصاف يقتضي ألا نختزل الحوار الوطني في جلسات بلا مخرجات؛ فقد أنتج توصيات منشورة في المحاور السياسية والاقتصادية والمجتمعية، كما تتضمن وثائق البرنامج التنفيذي الحكومي آليات للتنسيق ومتابعة تنفيذ مخرجاته. لذلك فإن تصوير المنتدى باعتباره أول محاولة للانتقال من الحوار إلى التنفيذ سيكون مقارنة غير دقيقة.

المطلوب هو البناء على هذه التجربة، ومراجعة ما تحقق من توصياتها، وتحديد ما تعثر وأسباب تعثره. فالمواطن لا يحتاج إلى إعادة مناقشة المشكلة نفسها كل مرة، بقدر ما يحتاج إلى معرفة أين وصل حلها، ومن المسؤول عنه، وما الذي يمنع إنجازه.
ومن هنا، يمكن أن يكون الحوار الوطني مساحة لبناء التوافق حول الاتجاهات العامة، بينما يمنح منتدى مصر هذه الاتجاهات مزيدًا من التفصيل التنفيذي. وهذا دور مقترح للمنتدى، يتوقف نجاحه على تصميم أعماله ومتابعتها، وليس مجرد اختلاف في التسمية.
الحكومة تستمع وتجيب
تتسع أجندة المنتدى لقضايا التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والأمن الغذائي والمائي، إلى جانب الاستثمار والصناعة والطاقة وموارد النقد وإدارة الدين. وأعلن المتحدث باسم مجلس الوزراء أن الحكومة تستهدف الوصول في ختامه إلى خطط تنفيذية وقرارات محددة. هذه أهداف معلنة، أما تحققها فسيُقاس بما يصدر عن المنتدى وما يُنفذ بعده.
اعرف أكثر
ولكي يتحقق ذلك، ينبغي أن يحضر المسؤولون للاستماع والإجابة بقدر حضورهم لعرض الجهود والإنجازات. عرض ما أُنجز ضروري، لكنه يكتسب قيمة أكبر حين يصاحبه تفسير لما لم ينجز، واعتراف بما يحتاج إلى تصحيح.
المواطن الذي يشكو صعوبة الحصول على خدمة، والمصنع الذي يواجه إجراءات متداخلة، والمستثمر الذي يتعطل مشروعه، يقدمون معرفة عملية قد لا تظهر كاملة في التقارير الرسمية. والاستفادة من هذه المعرفة تحتاج إلى مساحة تقبل النقد المحدد، وتطلب الدليل، وتناقش البدائل دون اعتبار الاختلاف خصومة.

لكل توصية مسؤول وموعد وتكلفة
أقترح أن تخرج كل توصية رئيسية من المنتدى ببطاقة تنفيذ معلنة: ما المشكلة؟ وما الإجراء المطلوب؟ ومن الجهة المسؤولة؟ وما التكلفة ومصدر التمويل؟ ومتى يبدأ التنفيذ وينتهي؟ وبأي مؤشر نعرف أن النتيجة تحققت؟
فعبارة «دعم الصناعة» لا تكفي وحدها. المطلوب تحديد العائق المستهدف: هل هو زمن الترخيص، أم تكلفة التمويل، أم نقص مدخلات الإنتاج، أم صعوبة الوصول إلى الأسواق؟ ثم وضع إجراء يمكن قياس أثره.
وعبارة «تحسين الخدمات الصحية» تحتاج إلى تحديد ملموس: تقليل مدة الانتظار، أو توفير دواء، أو رفع كفاءة منشأة، أو زيادة التغطية في منطقة محرومة.
اعرف أكثر
وحيث يتطلب المقترح تعديلًا تشريعيًا، ينبغي إعلان المسار البرلماني اللازم له. وحيث لا يتوافر التمويل، يجب بيان ذلك بوضوح، مع طرح البدائل. فالمصارحة بالقيود أفضل من تقديم وعود يصعب الوفاء بها.
الاقتصاد: ترتيب الأولويات وكشف المفاضلات
تكمن أهمية المنتدى اقتصاديًا في قدرته على مناقشة المفاضلات الصعبة. الموارد محدودة، وكل أولوية تحصل على تمويل تؤثر في فرص تمويل أولويات أخرى.

لذلك ينبغي أن يتجاوز النقاش المطالبة العامة بزيادة الإنفاق، إلى السؤال عن العائد: أي السياسات تخلق وظائف أكثر استقرارًا؟ وأي المشروعات تزيد الإنتاج والتصدير؟ وكيف نحمي الفئات الأقل دخلًا دون تحميل المستقبل التزامات يصعب تحملها؟
ومن الضروري أيضًا سؤال من يستفيد من استمرار التعقيدات القائمة. فبعض مشكلات الإصلاح تتصل بتداخل الاختصاصات والحوافز، وليس بنقص الأفكار وحده. والمنتدى الناجح يساعد على كشف هذه العقد واقتراح تغييرها.
اعرف أكثر
رسالتا السيسي للإسرائيليين خلال 48 ساعة..بين الرد على سموتريتش وكشف أسرار لقاءاته مع تنياهو
مقترح لآلية متابعة مستقلة
وأقترح أن ينبثق عن المنتدى مجلس خبراء لمتابعة السياسات، يؤدي بعض وظائف «حكومة الظل» في دراسة البدائل وتقييم الأداء، مع احترام اختصاصات الحكومة والبرلمان.
يتولى هذا المجلس إعداد تقارير دورية عن تنفيذ المخرجات، وشرح أسباب التأخير، وتقديم بدائل حين تثبت التجربة ضعف أحد الحلول. ويضم خبرات اقتصادية وإدارية واجتماعية، وممثلين عن العمال والقطاع الخاص والمحافظات، وفق معايير اختيار معلنة.
ولا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الأحزاب أو المجالس المنتخبة؛ فهذه المؤسسات لها أدوار سياسية ورقابية أصيلة. لكنه يستطيع توسيع قاعدة الخبرة وإتاحة متابعة علنية تدعم عملها.

الاختبار يبدأ بعد الجلسة الختامية
يمكن أن يصنع منتدى مصر فارقًا إذا نشر التزاماته، وحدد أولوياته، وأتاح للمواطن متابعة نتائجها عبر تقارير منتظمة بعد ثلاثة أشهر وستة أشهر وعام.
اعرف أكثر
أوباما يهاجم إسرائيل من أيرلندا: “سرقتم أرض الفلسطينييين وتجاوزتم كل الحدود ونتنياهو فقد كل شئ”
أما الحكم على نجاحه قبل انعقاده، أو افتراض أنه سيكرر تجارب سابقة، فكلاهما استباق للنتائج. الفرصة قائمة، لكن استحقاق الثقة يحتاج إلى دليل.
مصر تحتاج إلى حوار يساعدها على اتخاذ قرارات أفضل، وإلى قرارات يمكن مساءلة المسؤولين عن تنفيذها. وعندها يصبح المنتدى حلقة مؤثرة في إدارة الشأن العام، وتصبح المشاركة وعدًا له معنى يلمسه المواطن في حياته.
الكاتب، باحث فى الشأن السياسى و الاستراتيجى
*المقالات، مساحات خاصة بكتابها، وليست بالتبعية أن تتوافق مع مواقف والسياسة التحريرية لموقعنا*
