جاءنا الآن
الرئيسية » جاءنا الآن » هل تخدم السيولة الإقليمية مصر؟..الخطوة القادمة بعد تصاعد العجرفة الإثيوبية

هل تخدم السيولة الإقليمية مصر؟..الخطوة القادمة بعد تصاعد العجرفة الإثيوبية

وحدة الأمن المائي وشئون حوض النيل

لاتزال تترقب مصر الرد الأممى على الشكوى التى قدمتها حول الإجراءات الأحادية الاثيوبية التى تهدد الأمن المائي المصري، في مواجهة إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، اكتمال المشروع الذي شغل بلاده لأكثر من عقد من الزمن. وقف يتحدث عن سد النهضة لا ككتلة خرسانية تحجز المياه فحسب، بل كرمز لوطن ينهض من الفقر ويخطو نحو ما يسميه “النمو والكرامة”، وفق تعبيره التحريضى ضد الحقوق المصرية والسودانية.

وفي حديثه الذي نقلته وكالة الأنباء الرسمية “إينا”، وصف أبي أحمد السد بعبارات رنانة منها أنه “حافز وطني للنمو” و”إرث يُنشئ أجيالاً تعي قيمة الدفاع عن المصالح الوطنية”.

أمن مصر المائي ليس مجالاً للمساومة

وفي القاهرة، ارتفعت نبرة الخطاب المصري لتبلغ ذروتها، حين وجّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رسالة صريحة إلى أديس أبابا في شأن السد، إذ لم يكن حديثه قبل أيام مجرد تصريح عابر، بل إنذار واضح بأن أمن مصر المائي ليس مجالاً للمساومة.

قالها بلهجة حاسمة “مَن يظن أن مصر ستغض الطرف عن تهديد أمنها المائي فهو مخطئ”، وبدا كمن يرسم خطاً أحمر على صفحة النيل، مؤكداً أن ملف المياه ليس مجرد مسألة تنمية، بل ورقة ضغط تُستخدم ضد مصر لتحقيق غايات أخرى

وفي المقابل، المشروع بالنسبة لأبي أحمد، ليس مجرد توربينات تولّد الكهرباء، بل شهادة على قدرة بلاده على صنع معجزات في زمن قصير، ثم بنبرة يختلط فيها الفخر بالتحدي، قال إن السد “ينهي أسطورة قديمة عن افتقار نهر أباي – النيل الأزرق – إلى منبع دائم”، ويُعيد رسم صورة النهر بوصفه شريان حياة لإثيوبيا قبل أن يكون جرياناً عابراً للحدود.

وأما المكاسب الاقتصادية، فرأى رئيس الوزراء الاثيوبي أنها ستجعل من المشروع استثماراً يُسترد في بضع سنوات، فاتحاً الباب أمام تنمية أوسع تُلامس كل بيت إثيوبي.

استبعاد الخيار العسكري
وفيما لايزال يستبعد البعض الخيار العسكري رغم السيولة الإقليمية ، يعتبره فريق آخر مخرجاً للأزمة رغم كلفته الباهظة وأخطاره غير المحسوبة، والغلبة في المقابل للدبلوماسية والحوار والوساطات الدولية، باعتبارها الطريق الأجدى لتقديم نموذج للتوافق يمكن أن يُحتذى في نزاعات مماثلة حول العالم.

ومع أن القدرات العسكرية قد تُشكل رادعاً، إلا أنه لا ينبغي اعتبارها وسيلة لحل النزاع، فالحل الدبلوماسي الذي يتضمن جهود وساطة فعّالة ومفاوضات شاملة بشأن المياه ضروري لتجنب الصراعات وتحقيق استقرار إقليمي دائم، بحسب وزير الري المصري السابق د. محمود أبو زيد.

وينبغي على مصر وإثيوبيا السعي جاهدين لإيجاد حل وسط يُعالج مخاوف جميع الأطراف مع احترام حاجات التنمية والأمن المائي لكل دولة.

هل تخدم السيولة الإقليمية مصر؟..الخطوة القادمة بعد تصاعد العجرفة الاثيوبية

يتحدث أبو زيد، أن اتفاق حوض النيل كان واضحاً بين الـ12 دولة الموقعة، حين نص على رفض إنشاء مشروع على أي من مصادر النيل من دون موافقة كل الدول، وهو ما لم يحدث في سد النهضة.

ولا مصلحة للقاهرة في عرقلة أي تنمية في إثيوبيا أو أي دولة أفريقية أخرى، بحسب أبو زيد، طالما أن هناك ضمانات في أن أي مشروعات يجرى تنفيذها ستكون ذات جدوى وليس لها أي أثار سلبية على الدول الأخرى، وهو ما يفسر مساعي القاهرة للتوصل إلى تفاهم مشترك مع الخرطوم وأديس أبابا، ينظم استخدام السد بما لا يؤثر سلباً على الجميع.

ويعتقد أبو زيد الذي يشغل حالياً منصب رئيس المجلس العربي للمياه، أن ثمة أضراراً واسعة تقع على السودان ومصر بعد اكتمال بناء وتشغيل هذا السد، من بينها احتمالات انهياره المتوقع، وما تعينه من دمار واسع، إلى جانب تراجع كهرباء سد أسوان المولَدة بنحو 30 في المئة، وحدوث جفاف واسع بفعل تراجع حصة البلدين من المياه.

تشغيل السد

لكن تشغيل السد واكتمال البناء وافتتاحه رسمياً ليس نهاية المطاف، ولا يمنع إثيوبيا من إبرام اتفاق تفاهم ملزم ينظم استخدام السد، فالباب مفتوح على توافق حال وجود إرادة سياسية لدى إثيوبيا، وفق ما يعتقد رئيس المجلس العربي للمياه

برز مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير كمصدرٍ رئيس للتوتر بين إثيوبيا ومصر والسودان، مُسلِّطاً الضوء على التحديات المُعقَّدة لإدارة المياه العابرة للحدود في حوض النيل، بحسب ما يقول المتخصص في العلاقات الدولية والأستاذ بالجامعة اللبنانية ببيروت حبيب البدوي.

هل تخدم السيولة الإقليمية مصر؟..الخطوة القادمة بعد تصاعد العجرفة الاثيوبية

شُغل البدوي لسنوات في دراسة آثار السد الإثيوبي، وفي بحثه المعنون “سد النهضة الإثيوبي: دراسة حالة لحل النزاعات” والمنشور بمجلة جامعة جنوب فلوريدا بالتعاون مع مجلة دراسات الصراعات والسلام الأفريقية، يقف الأكاديمي اللبناني أمام الدعاية الإثيوبية بأن السد حيوي لتنميتها الاقتصادية وتوفير الطاقة، لكنه ينظر إلى ما هو أبعد من ذلك.

بالنسبة للبدوي، تتجاوز جذور النزاع الحالي بكثير عام 2015، حين وقعت البلدان الثلاث اتفاق المبادئ، ويتجاوزه إلى الحقبة الاستعمارية، حين أثرت المصالح الإمبريالية البريطانية تأثيراً كبيراً على حقوق المياه في حوض النيل، ومنحت اتفاقية مياه النيل لعام 1929، الموقعة بين مصر وبريطانيا العظمى (ممثلةً مستعمراتها في حوض النيل)، مصر حق النقض (الفيتو) على أي مشاريع في دول المنبع قد تؤثر في حصتها المائية.

الجدل حول اتفاقية 1959

ويلفت إلى اتفاقية مياه النيل لعام 1959 بين مصر والسودان، والتي خصصت كامل تدفق نهر النيل بين هاتين الدولتين الواقعتين أسفل النهر، باعتبارها كانت عنواناً للمظلومية الإثيوبية، إذ تعتقد أديس أبابا، أن تلك الاتفاقيات التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية ألقت بظلالها الثقيلة على سياسات مياه النيل، وأوجدت إطاراً قانونياً وسياسياً يُفضّل بشدة دول المصب، وبخاصة مصر، بينما يُهمّش مصالح دول المنبع، وهو ما شكّل مصدر استياء ودافعاً وراء إصرار إثيوبيا على تأكيد حقوقها في استخدام مياه النيل لتنميتها.

ويضيف البدوي أنه مع خروج إثيوبيا من فترات عدم الاستقرار السياسي والمجاعة في أواخر القرن العشرين، بدأت تنظر إلى النيل الأزرق كمحفز محتمل للتنمية الاقتصادية والتخفيف من حدة الفقر، وطُرحت فكرة بناء سد كبير على النيل الأزرق منذ ستينيات القرن الماضي، إلا أن القيود السياسية والاقتصادية حالت دون تحقيقها.

وبالنسبة لإثيوبيا، يوضح البدوي أن سد النهضة يُمثل أكثر من مجرد مشروع للبنية التحتية، فهو بيان للسيادة وتحدٍّ للوضع الراهن التاريخي لاستغلال مياه النيل، وشكّل المشروع مصدر توتر دبلوماسي كبير بين مصر وإثيوبيا منذ بدايته، فمصر، التي تعتمد على نهر النيل في نحو 97 في المئة من حاجاتها من المياه العذبة، ترى في السد تهديداً وجودياً لأمنها المائي.

المخاوف المصرية 

وتتمحور المخاوف المصرية في المقام الأول حول الانخفاضات المحتملة في تدفق المياه أثناء عملية ملء السد، وتأثيرها طويل المدى على توافر المياه للزراعة والاستخدام المنزلي.

أما إثيوبيا، فتؤكد على حقها في استخدام مواردها الطبيعية لأغراض التنمية، مجادلةً بأن السد لن يؤثر بشكل كبير على تدفق المياه في اتجاه مجرى النهر على المدى الطويل، وتؤكد الحكومة الإثيوبية على الفوائد الإقليمية المحتملة لسد النهضة الإثيوبي الكبير، بما في ذلك تصدير الطاقة الكهرومائية وتحسين إدارة المياه لأغراض الري.

ويتابع البدوي بقوله “كانت محاولات حل المشكلة من خلال المفاوضات صعبةً وباءت بالفشل إلى حد كبير، واتسمت المحادثات الثلاثية التي تضم مصر وإثيوبيا والسودان بخلافات حول ترتيبات تقاسم المياه وبروتوكولات تشغيل السد، وشملت نقاط الخلاف الرئيسة معدل ملء خزان السد، وآليات إطلاق المياه خلال فترات الجفاف، والحاجة إلى اتفاقية ملزمة قانوناً في شأن تشغيل السد”.

وازدادت تلك المفاوضات تعقيداً بسبب تغير الديناميكيات السياسية في المنطقة، بما في ذلك التحولات السياسية في السودان وإثيوبيا.

ويتفاقم القلق بسبب النمو السكاني السريع في مصر، الذي تجاوز 100 مليون نسمة، ومحدودية أراضيها الصالحة للزراعة، وتجتمع هذه العوامل، كما يعددها المتحدث إلينا، لتخلق حاجة ملحة لموارد مائية لا يمكن التخفيف منها بسهولة.

الترويجات الإثيوبية 

وتُقدر الحكومة الإثيوبية أن السد يُمكن أن يُنتشل الملايين من براثن الفقر من خلال زيادة إمكانية الوصول إلى الكهرباء وتحسين الإنتاجية الزراعية.

ويأتي سعي إثيوبيا وراء مشروع السد في ظل تحديات داخلية، فالبلاد تُعاني من صراعات داخلية حادة، لا سيما في منطقة تيغراي. وقدرة الحكومة على إدارة هذه التحديات الداخلية بالتزامن مع السعي وراء المشروع تُضيف مزيداً من التعقيد إلى الوضع، مما قد يؤثر في موقف إثيوبيا التفاوضي وقدرتها على تقديم تنازلات.

لكن للسودان، بموقعه الفريد موقف مغاير في النزاع، وفق الأكاديمي اللبناني، فبموقعه الجغرافي بين مصر وإثيوبيا، يُحتمل أن يستفيد من السد من خلال تنظيم تدفق المياه، مما قد يُعزز إنتاجيته الزراعية ويُقلل من أخطار الفيضانات، ولعل في تلك المكاسب المحتملة السودان الدافع أحياناً إلى النظر إلى المشروع بعين أكثر إيجابية من جارته، مصر.

ومع ذلك، فإن موقف السودان ليس خالياً من التحفظات، إذ أعربت البلاد عن مخاوفها في شأن سلامة السد وتأثيره المحتمل على سدودها ومحطات المياه التابعة لها، وتُسلط هذه المخاوف الفنية الضوء على التفاعل المُعقد بين الأخطار والفوائد التي يُمثلها سد النهضة للسودان.

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *