جاءنا الآن
الرئيسية » جاءنا الآن » نهى سعيد تسطر: 7 رسائل عن العالم الآخر

نهى سعيد تسطر: 7 رسائل عن العالم الآخر

لم تكن تتخيل أن لحظةً واحدةً قد تُعيد ترتيب أولوياتها في الحياة، وتوقظ بداخلها أسئلةً: هل كنتُ قريبةً من الموت؟ هل أنا مستعدة؟ هل كنتُ منشغلةً بالدنيا أكثر من اللازم؟ ماذا لو كانت هذه آخر لحظةٍ لي؟ هل كنتُ سأرضى عما قدمتُ؟ وهل كانت هذه النجاة فرصةً جديدةً للحياة؟ وغيرها من الأسئلة.

كانت تجري بلا توقف بين العمل، وتربية الأبناء، وتفاصيل الحياة اليومية المتشابكة. تسعى للكمال في كل شيء، تراقب كل تفصيلة، تحسب كل خطوة، وكأن المثالية هدفٌ لا مفر منه… حتى جاء الحريق.

في إحدى ليالي الصيف، وقع حادثٌ قضاء وقدر نتيجة ماس كهربائي في إحدى شقق العمارة التي تسكن فيها. لم يكن مجرد حريقٍ عاديٍّ، بل كان حادثًا صادمًا غير كل شيء. النيران لم تلتهم الجدران فقط، بل حرَّكت شيئًا عميقًا بداخلها. وكأنها بريد إلهي مفتوح، كُتبت فيه رسائلُ ربانيةٌ موجَّهةٌ خصيصًا لها… لتوقظها.

 الرسالة الأولى: النار ليست لهبًا فقط  

حين اقتربت من النيران المشتعلة في شرفتها لتحاول إطفاءها، شعرت وكأنها ليست مجرد نار. كانت كائنًا حيًّا، له حضورٌ، له قوةٌ… وكأنها ستمد يدها وتأخذها. لحظة رعب لم تنساها، لكن ما حدث بعد ذلك كان رسالةً واضحةً من السماء:  

هذه ليست لحظة موت، بل لحظة حياة جديدة… بدايةٌ مختلفة تمامًا.

 الرسالة الثانية: العدالة الإلهية في قلب الفوضى  

نفس الحريق، ولكن آثار مختلفة في كل شقة. واحدةٌ احترقت بالكامل، وأخرى سُوِّدت جدرانها فقط. أحد السكان كُسرت ذراعه بسقوط الوحدة الخارجية للتكييف على يده، لكن شقته لم تمسَّها النار. وكأن المبنى كله صار رمزيةً للحياة: كل إنسان يحمل ابتلاءه الخاص، على قدر طاقته، “لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.

لكن في هذا التباين أيضًا لطفٌ خفي: فالله يعلم كل منا ماذا سيتحمل وكأنه يُراعي قلوبنا قبل جدران بيوتنا.

 الرسالة الثالثة: حين يأتي الرحيل من بابٍ لا تتوقعه  

إحدى الجارات كانت مريضةً، وكان الكل يتهيأ لرحيلها في أي لحظةٍ بسبب مرضها. لكن الموت جاء من الحريق، من طريقٍ لم يتوقعه أحد. درسٌ قاسٍ يقول إن الحياة لا تسير وفق حساباتنا، وأن النهاية قد تأتي في لحظةٍ لا تُتوقَّع، ومن بابٍ لا نُراقبه.  

والدرس الأعمق كان في اللطف المختبئ وراء المفاجأة: فربما تهيئة النفس للرحيل في أي لحظة هي أعظم حماية، وهي نعمة لا يُدركها إلا من فَقد شعور الأمان الزائف.

 الرسالة الرابعة: الطمأنينة في قلب الفوضى  

في لحظة الفوضى والدخان، حين علا الصراخ واشتد الخوف، شعرت بشيءٍ غريب… طمأنينةٌ خفيةٌ. كأن صوتًا داخليًّا يهمس: “إنتِ مش لوحدك.رغم الخطر، وجدت قلبها مستقرًا، وكأن يدًا خفيةً تحتضنها، تمسح على خوفها، وتطمئنها في صمتٍ لا يُرى.. كانت يد الله. هذا هو لطفه حين يبدو العالم كله عاصفًا: حضوره الذي لا يحتاج إلى دليلٍ إلا في أعماق القلوب.

 الرسالة الخامسة: لا ضمان في الحياة كل شىء زائل

حين أُخليت العمارة، خرج الجميع في هلع، لا يعلمون إن كانوا سيعودون أم لا. لحظةٌ صادمةٌ تذكر بأن لا ضمان في المكان ولا في أي شىء آخر، وأن الأمان الحقيقي في رحمة الله التي تسبق كل شيء.

 الرسالة السادسة: في لحظة… تتغير الحياة  

هي الحقيقة التي نرددها دون أن نعيها: في لحظة، كل شيء بيتغير. لكنها لمستها ولمست معناها الحقيقي. لحظةٌ قلبت حياتها، لكنها أيضًا فتحت بابًا جديدًا… باب النجاة، وبدايةٌ مختلفةٌ، بنظرةٍ أعمق، أكثر امتنانًا.

الرسالة السابعة: النعمة في التفاصيل الصغيرة  

حين وقفتُ في الشارع بعد إخلاء العمارة، لم تجد في قلبها ذعرًا. رأيتُ جارا يُمسك بيد عجوزٍ ترتجف، وآخر يمرر زجاجة ماء.. وثالثا يعطى طفلا حافيا حذاءه …

أدركتُ فجأةً أن يد الله لم تكن فقط في حمايتنا من النار، بل في هذه الأيادي التي امتدت إليهم بعد النجاة. لطفٌ خفيٌّ لا يرصده إلا من يتأمل: نعمة البشر حولنا.

 الرسائل كانت واضحة… فقط علينا أن نُصغي . 

في زحام الحياة، ننسى أن نُصغي. ننشغل بالجري وراء الكمال، وننسى أن كل لحظةٍ نعمة، وكل نفسٍ هدية. لكن النار جاءت لتعلّمها، وتُعلّمنا جميعًا، أن نستفيق، ونشكر، ونُراجع أنفسنا.  

فالله يبعث لنا دائمًا برسائلٍ مُحملةٍ بلطفه الخفي…

لكن وحدهم من يُخفتون ضوضاء الحياة هم من يرون الحِمايةَ في المحنة، والرحمةَ في البلاء، ويسمعون همْس الله: “أنا هنا”.

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *