فريق التحقيقات/أروى محمد
لم تكن صفية زغلول تدرك وهي تقف في شرفة بيت الأمة عام 1919 تخطب في السيدات ليخرجن للمظاهرات بعد نفي زوجها سعد زغلول، أن اسمها بعد مائة عام سيُذكر في غرفة مغلقة بسنتر للدروس الخصوصية في الإسكندرية، مقروناً بعبارة: “حسبي الله ونعم الوكيل فيهم.. دول الليفل الأوحش”، بسبب مدرس متطرف ليس لديه من الثقافة ما يكفي لتقدير وتقييم تاريخها النضالى والثقافي، وروج للأمر بنظرته السطحية.
ولم تكن هدى شعراوي، وهي ترفع النقاب لأول مرة في محطة سكة حديد القاهرة عام 1923، عائدة من مؤتمر المرأة في روما، تعلم أن مبادرتها التي وثقتها في مذكراتها بـ “قرأنا الفاتحة” ستتحول بعد قرن إلى جملة: “معرفش إيه العلاقة بين الحرية والقلع”.
اعرف أكثر
الفيديو الذي عاد ليتصدر الترند، لمدرس تاريخ يدعى أشرف جابر، لم يكن مجرد زلة لسان. كان تلخيصاً لمعركة كاملة تدور تحت سطح المجتمع المصري، حول الهوية في ظل هذه الموجات المتطرفة.

المشهد الدرامي.. من بيت الأمة إلى سنتر الإسكندرية
المدرس يشرح درس “تحرير المرأة” لطالبات مراهقات، يستقبل منهن أموال الدروس، ثم يخبرهن: “الست مكنتش بتخرج عندنا.. خارجة من بيت أبوها لبيت جوزها ومن بيت جوزها للترب”.
المفارقة أن المدرس الذي يقتات من تعليم الفتيات، يدعو لإعادتهم حبسهن في البيت.
اعرف أكثر
إثيوبيا تصعد ضد إريتريا وسط توقعات بنشوب حرب بعد ترويجات حول توغل قوات منها في تيجراي
وبمنتهى الجهل، هو يربط اسم ميدان التحرير، رمز ثورة 1952، بخلع “البيشة”، في تزوير فج للتاريخ. الحقيقة أن الميدان كان ميدان الإسماعيلية، وأطلق عليه التحرير في يناير 1953 مع تأسيس هيئة التحرير، بعد وفاة المرأتين بسنوات.
من هن حقاً؟..صورة مغايرة تماماً للصورة التي رسمها المدرس.
صفية زغلول، التي لقبها الشعب بـ “أم المصريين”، لم تكن أيقونة تبرج. مذكرات سكرتيرتها فهيمة ثابت تؤكد أنها كانت تقرأ القرآن أثناء نفي زوجها في جبل طارق وتطلب تفسير آياته، وأنها رفضت شرب نخب الثورة وقالت “الخمر حرام في شريعتي”، ورفضت الرقص احتفالاً وقالت “مخالف لديني”.

هدى شعراوي، التي أسست الاتحاد النسائي، لم تدع يوماً للانحلال. بل كانت أول من طالبت في مؤتمر روما بتجريم البغاء وإغلاق أوكاره، وطالبت شيخ الأزهر بتجريم الخمور وإغلاق حاناتها، ورفضت تغيير قوانين المواريث الإسلامية.
كانتا محافظتين متدينتين، لكن بوعي سياسي سابق لعصرهما.
لماذا الآن؟
اعرف أكثر
دعاء فؤاد تسطر: جوابات من الجبهة..بين الحب والحرب..والبعاد والزناد
القضية ليست شخص المدرس. القضية هي نموذج “مدرس السنتر” كسلطة موازية.
وزارة التربية والتعليم سارعت للتنصل: “ليس على قوة الوزارة، الفيديو في سنتر خاص”. لكن آلاف الطلاب يتلقون وعيهم التاريخي من هذه السناتر، خارج أي إشراف منهجي.
وهنا يكمن الخطر: تحويل درس تاريخي عن ثورة 1919، التي قادتها المرأتان ضد الاحتلال البريطاني، إلى محاكمة متطرفة للمرأة المصرية.

ردود الفعل وتعرية الانقسام
الواقعة كشفت ثلاثة تيارات:
التيار الحقوقي: تقدم المحامي هاني سامح ببلاغ للنائب العام يطالب بمحاكمته بتهمة الإساءة لرموز الدولة وتزييف الحقائق ونشر أفكار متطرفة تحرض على تقييد حرية المرأة، وإحالته لنيابة أمن الدولة العليا باعتباره تهديداً لقيم الدستور.
اعرف أكثر
التيار الإعلامى: ردت رضوى الشربيني التي زج باسمها في الفيديو بذكاء: “تشبيهي بهدى شعراوي وصفية زغلول شرف مش إهانة”. لتقلب السخرية إلى وسام.
التيار الشعبي: تعليقات غاضبة: “ده مش تعليم، ده تزوير وعي على مقاس أفكار متطرفة”.

معركة الهوية
الإساءة لهدى وصفية ليست إساءة لامرأتين ماتتا قبل 80 عاماً. هي إساءة لرمزين وطنيين شاركا في صناعة مصر الحديثة.
عندما نقول إن هدى شعراوي قادت أول مظاهرة نسائية في 1919، فنحن لا نتحدث عن فيمينيزم مستورد، بل نتحدث عن امرأة خرجت لتقود النساء في أجواء عصيبة وتهتف “لا” للاحتلال.
اعرف أكثر
الداخلية تكشف حقيقة تسجيل إباحي إدعت صفحة إخوانية أنه لمساعد وزير سابق
وعندما نقول إن صفية زغلول حافظت على بيت الأمة، فنحن نتحدث عن امرأة حافظت على الدولة من الانهيار بعد نفي زعيمها، والثورة من الارتباك، والمجتمع من اليأس.
تحرير المرأة في التاريخ المصري لم يكن “قلع”. كان خروجاً من أجل الوطن. وهذا هو الفارق الذي لم يفهمه مدرس السنتر المتطرف ذا الثقافة المحدودة، وربما تعمد ألا يفهمه، أو يروج لهذه الأفكار الموجهة.
