
مع نهاية الموسم الدرامي الرمضاني، أثارت مجموعة من الأعمال الفنية جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما ركّزت في طرحها على معاناة الأب بعد الطلاق وقضية الرؤية، مثل مسلسلات كان ياما كان وبابا وماما جيران وأب ولكن والمتر سمير.
هذه الأعمال قدّمت صورة الأب الذي حُرم من رؤية أبنائه، وسلّطت الضوء على مشاعر الفقد والاشتياق التي يعيشها كثير من الآباء بعد الانفصال.
لكن في المقابل، عبّرت العديد من جمعيات ومنظمات حقوق المرأة عن غضبها من هذا الطرح الأحادي، معتبرة أن الدراما تجاهلت واقعًا اجتماعيًا آخر لا يقل قسوة، وهو واقع الأمهات المعيلات اللاتي يتحملن مسؤولية الأبناء وحدهن بعد الطلاق أو الهجر أو وفاة الزوج.
فبحسب بيانات صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يوجد في مصر نحو 3.3 مليون أسرة تعولها امرأة، أي ما يقارب 14% من إجمالي الأسر المصرية، وهو رقم يعكس حجم المسؤولية التي تتحملها النساء في إدارة أسر كاملة دون شريك.
وهنا يظهر السؤال المهم: لماذا ركّزت الدراما على معاناة الأب وحده، بينما لم تمنح القدر نفسه من الاهتمام للأم التي تتحول فجأة بعد الطلاق إلى أم وأب في الوقت نفسه؟
لا شك أن حرمان أي أب من رؤية أبنائه مشكلة إنسانية حقيقية تستحق النقاش، لكن الواقع الاجتماعي يكشف جانبًا آخر من القصة. فكثير من الأمهات يجدن أنفسهن بعد الطلاق أمام معركة يومية لتوفير احتياجات الأبناء من تعليم وعلاج وطعام، في ظل غياب الأب أو تهربه من المسؤولية.
طالع مقالات أخرى للكاتبة
دعاء فؤاد تسطر: الخروج من العلاقة التوكسيك
دعاء فؤاد تسطر: نرجس بنت إبليس..الأمومة المسروقة
دعاء فؤاد تسطر: المرأة..حين تكون القلب الذى ينبض بالحياة
والأكثر إيلامًا أن بعض الآباء لا يكتفون بالابتعاد عن أبنائهم، بل يلجأون إلى التحايل على القوانين لإخفاء مصادر دخلهم أو تسجيل ممتلكاتهم بأسماء أخرى، هربًا من دفع النفقة الواجبة عليهم قانونًا. وهكذا تتحول الأم إلى الطرف الوحيد الذي يتحمل أعباء الحياة، بينما يقف القانون أحيانًا عاجزًا أمام هذه الممارسات.
وسط هذا الصراع بين الأب والأم، يظل الطفل هو الخاسر الأكبر. فالطفل لا يحتاج إلى رؤية عابرة في نادٍ أو مركز شباب، ولا إلى صراع قضائي بين والدين، بل يحتاج إلى أسرة متماسكة أو على الأقل أبوين مسؤولين يضعان مصلحته فوق أي خلاف.
حين يتحول الأبناء إلى ملفات في المحاكم أو أدوات للانتقام المتبادل، تتشكل في داخلهم جروح نفسية قد تستمر معهم طوال العمر. لذلك فإن قضية الطلاق والرؤية والنفقة ليست مجرد نزاع قانوني، بل قضية مجتمع ومستقبل أجيال.
ولمواجهة هذه الإشكالية المركبة، يحتاج المجتمع إلى رؤية متوازنة تراعي حقوق الجميع، ويمكن طرح بعض الحلول، منها:
تطوير القوانين بما يضمن تنفيذ أحكام النفقة بصرامة ومنع التحايل على الدخل الحقيقي.
إنشاء آليات أسرع لتحصيل النفقة لحماية الأم والأبناء من الفقر والاحتياج.
تشجيع ثقافة المسؤولية المشتركة بعد الطلاق بحيث يظل الأب حاضرًا في حياة أبنائه دعمًا وتربيةً لا مجرد زيارة عابرة.
دعم الأمهات المعيلات اقتصاديًا واجتماعيًا، وتوفير برامج تدريب وفرص عمل لهن.
نشر الوعي المجتمعي بعدم استغلال احتياج المرأة المعيلة أو الضغط عليها اجتماعيًا واقتصاديًا.

فالأم المعيلة ليست حالة فردية، بل ظاهرة اجتماعية تعكس تحولات عميقة في بنية الأسرة المصرية. ولهذا فإن احتضان المجتمع لها ليس تفضّلًا أو تعاطفًا عابرًا، بل واجب أخلاقي وإنساني.
فالمرأة التي تكافح وحدها لتربية أبنائها لا تحتاج إلى الشفقة بقدر ما تحتاج إلى الاحترام والدعم، لأن ما تقوم به ليس مجرد دور عائلي، بل معركة يومية للحفاظ على تماسك أسرة كاملة.
والدراما حين تقترب من قضايا المجتمع ينبغي أن تعكس الصورة كاملة، لا نصفها فقط. فكما أن هناك آباءً يعانون من الحرمان من رؤية أبنائهم، هناك أيضًا ملايين الأمهات اللواتي يحملن على أكتافهن مسؤولية الحياة بأكملها.
والحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الأسرة لا تُبنى بانتصار طرف على الآخر، بل بتوازن الحقوق والواجبات.
فحين يتحقق هذا التوازن، لن نحتاج إلى دراما تتحدث عن صراع الأب والأم، بل سنحكي قصصًا أجمل… عن آباء وأمهات، اختلفوا كزوجين، لكنهم ظلوا شركاء في أعظم مهمة في الحياة: تربية إنسان سويّ.
