
في قلب الصحراء الغربية، حيث تتوارى بين الرمال صفحات مضيئة من التاريخ المصري القديم ، يأتي كل كشف أثري جديد ليؤكد أن مصر ليست مجرد دولة تمتلك آثارًا عظيمة، وإنما هي حضارة ممتدة تتحدث عن نفسها عبر آلاف السنين، وتعيد إكتشاف أسرارها أمام العالم جيلاً بعد جيل ، وأن هذه الآثار ملكها ، لم تستولي عليها يوما ولا هي هديه من دولة اخري.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية عن كشف أثري جديد بمنطقة بئر الشغالة بالواحات الداخلة بمحافظة الوادي الجديد، تمثل في مقبرة هرمية الشكل شُيدت من الطوب اللبن وتعود إلى العصر الروماني، وخصصت لدفن رجل وزوجته، في كشف إستثنائي يجمع بين كلا من ملامح العمارة المصرية القديمة والتأثيرات اليونانية والرومانية، ويقدم قراءة جديدة للحياة الدينية والثقافية والاجتماعية في الواحات خلال تلك الحقبة.
ولعل ما يمنح هذا الكشف خصوصيته أن حضارتين تلتقيان داخل تفاصيله؛ فالمقبرة تحمل عناصر مصرية واضحة، من بينها المدخل الحجري والنقوش الهيروغليفية والتعاويذ الجنائزية ومشهد من كتاب «الإيمي دوات»، بينما تحمل أيضا إحدى أهم القطع المكتشفة نصًا أدبيًا باللغة اليونانية القديمة، في صورة تجسد ذلك التفاعل الحضاري الذي شهدته مصر خلال العصرين البطلمي والروماني.
مقبرة هرمية تكشف أسرارًا جديدة من قلب الواحات
تبدأ المقبرة بسلم مكون من 14 درجة يؤدي إلى مدخلها الرئيسي المشيد من الحجر الرملي على الطراز المصري، والمزين بنقوش وكتابات هيروغليفية منفذة بالنحت الغائر، تتضمن تعاويذ وتلاوات جنائزية ارتبطت بمعتقدات الحماية والعبور إلى العالم الآخر.
ويتميز المدخل بعناصر معمارية مصرية لافتةةللنظر، من بينها كورنيش مزين بالشمس المجنحة والكوبرا، وعنصر معماري يأخذ هيئة حزمة من أعواد البوص.
أما المفاجأة الأثرية اللافتة، التي تتمثل في العتب العلوي للمدخل، الذي يحمل منظرًا جنائزيًا نادرًا يمثل الساعة السابعة من كتاب «الإيمي دوات»، أحد كتب العالم الآخر في مصر القديمة، في مشهد يؤكد إستمرار حضور العقيدة والرموز المصرية القديمة حتى في سياق تاريخي شهد تداخلًا واسعًا مع الثقافة اليونانية والرومانية.
ويقود المدخل إلى صالة مستعرضة مشيدة من الطوب اللبن ذات سقف مقبب، وعلى أحد جانبيها حجرتان للدفن، تعلوهما البنية الهرمية للمقبرة.
وهنا تتجلى براعة المصري القديم في توظيف العمارة ليس بأعتبارها بناءً فقط، وإنما بإعتبارها لغة تحمل معتقدات ورموزًا وأفكارًا عن الحياة والموت والخلود.
مرثية يونانية من 19 سطرًا.. صوت إنساني يعبر آلاف السنين
ومن أبرز ما أسفرت عنه أعمال الحفائر العثور على لوحة حجرية جنائزية مثبتة بالجدار الجنوبي للجزء الهرمي من المقبرة، مستطيلة الشكل وتنتهي من أعلى بهيئة جمالونية يتوسطها قرص الشمس المنفذ بالنحت البارز.
وتحمل اللوحة نصًا مكتوبًا بالمداد الأحمر باللغة اليونانية القديمة، في صورة قصيدة رثاء جنائزية مكونة من 19 سطرًا، خصصت لشخص يدعى «بيسيختيس».
وتشير الدراسات الأولية إلى إحتمال أن يكون صاحب المقبرة قد شغل منصب قاضٍ، بينما تؤرخ المرثية إلى أواخر القرن الثالث وبدايات القرن الرابع الميلادي، بما يجعلها شاهدًا أدبيًا وثقافيًا مهمًا على طبيعة المجتمع والحياة الفكرية في الواحات خلال العصر الروماني.
إن وجود نص أدبي جنائزي باللغة اليونانية داخل مقبرة تحمل في الوقت ذاته عناصر مصرية أصيلة، يفتح نافذة مهمة على طبيعة المجتمع المصري في تلك الفترة؛ مجتمع لم تختفِ فيه الهوية المصرية أمام التأثيرات الوافدة، وإنما تفاعلت معها في صور متعددة من العمارة والفنون والكتابة والمعتقدات.
مائدة قرابين وعملة للإمبراطور قسطنطين
ولم تتوقف أهمية الكشف عند العمارة والنقوش، فقد عثرت البعثة كذلك على مائدة قرابين من الحجر الرملي تعلو حوضًا للتطهير من المادة نفسها، إلى جانب مجموعة متنوعة من الأواني الفخارية.
كما تم العثور على عملة برونزية تحمل نقشًا بارزًا للإمبراطور الروماني قسطنطين، وهي قطعة تضيف بعدًا تاريخيًا مهمًا إلى مجموعة المكتشفات، وتساعد مع بقية الشواهد الأثرية في قراءة التسلسل الزمني لإستخدام المقبرة.
وأشارت الشواهد إلى احتمال إعادة استخدام المقبرة في فترة لاحقة، بعد الكشف في الجزء العلوي منها عن مقصورة من الطوب اللبن تعلو المدخل الرئيسي، وأمامها مزار جنائزي يضم أربعة أعمدة مربعة من الطوب اللبن.
بئر الشغالة.. جبانة تحكي قصة التقاء الحضارات
ولا يمكن قراءة هذا الكشف بمعزل عن أهمية منطقة بئر الشغالة نفسها، التي تعد إحدى أهم المناطق الأثرية في الواحات الداخلة، وتمثل إحدى جبانات مدينة موط، عاصمة الواحة خلال العصرين البطلمي والروماني.
وقد بدأت أعمال حفائر المجلس الأعلى للآثار بالمنطقة عام 2002، وأسفرت مواسم العمل المتعاقبة عن الكشف عن مجموعة متنوعة من المقابر ذات التخطيطات والطرز المعمارية المختلفة.
وتكشف هذه المقابر عن مزيج حضاري وفني واضح، يجمع بين العناصر المصرية القديمة والتأثيرات التي ظهرت خلال العصرين البطلمي والروماني، بما يؤكد أن مصر عبر تاريخها لم تكن بمعزل عن محيطها، وإنما كانت مركزًا حضاريًا قادرًا على استيعاب التأثيرات المختلفة وإعادة صياغتها داخل بيئته المصرية الخاصة.
وهذا تحديدًا ما يجعل الواحات الداخلة واحدة من المناطق الواعدة في مجال السياحة الثقافية والأثرية والصحراوية والبيئية، إذ لا تقدم للزائر أثرًا منفردًا، وإنما تقدم منظومة متكاملة من التاريخ والطبيعة والتراث والمجتمعات المحلية.
من الكشف الأثري إلى المنتج السياحي.
وهنا تتجاوز أهمية الإكتشاف حدود علم الآثار إلى آفاق أوسع تتصل بصناعة السياحة المصرية.
فالسائح العالمي المعاصر لم يعد يبحث فقط عن مشاهدة أثر شهير والتقاط صورة أمامه، وإنما أصبح أكثر اهتمامًا بفهم القصة والحضارة والإنسان والمكان.
ومن ثم، فإن اكتشاف مقبرة تجمع بين العمارة المصرية القديمة والنص اليوناني والوجود الروماني، يمكن أن يمثل إضافة مهمة إلى المنتج السياحي الثقافي المصري، إذا ما تم توظيفه ضمن برامج وتجارب سياحية متكاملة تربط الواحات بالمواقع الأثرية والمتاحف ومسارات السياحة الصحراوية والبيئية.
وهنا تظهر أهمية تنويع الأنماط السياحية وخلق وجهات وتجارب جديدة خارج المسارات التقليدية، بما يتسق مع استراتيجية الدولة المصرية في زيادة تنافسية المقصد وتنويع منتجاته وأسواقه.
أرقام تعكس قوة المقصد المصري.
وتأتي أهمية هذه الإكتشافات في وقت تشهد فيه السياحة المصرية نموًا ملحوظًا؛ فقد استقبلت مصر نحو 19 مليون سائح خلال عام 2025، بزيادة بلغت نحو 21% مقارنة بعام 2024، وفق بيانات وزارة السياحة والآثار، كما سجلت المواقع الأثرية والمتاحف – باستثناء المتحف المصري الكبير والمتحف القومي للحضارة المصرية وفق الإحصائية المنشورة – نحو 18.6 مليون زيارة من السائحين الأجانب، بزيادة 33.5% عن عام 2024. كما شهدت رحلات الطيران العارض نموًا بنسبة 32%، فيما ارتفعت حركة الطيران العارض إلى مدينة العلمين الجديدة بنسبة 450%.
وأستمر النمو خلال عام 2026؛ إذ سجلت أعداد السائحين الوافدين خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام 6.1 مليون سائح، مقابل 5.7 مليون خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة بلغت 7%. كما تستقبل مصر سائحين من 179 دولة وفق بيانات حكومية منشورة في مايو 2026.
وعلى مستوى العائد الإقتصادي، سجلت إيرادات السياحة المصرية نحو 8 مليارات دولار خلال النصف الأول من عام 2026، بالتزامن مع إضافة نحو 6 آلاف غرفة فندقية جديدة إلى الطاقة الاستيعابية، بما يعكس ارتباط نمو الحركة السياحية بالتوسع في الطاقة الفندقية والبنية الأساسية.
هذه الأرقام لا تعني مجرد إرتفاع أعداد الزائرين، وإنما تعكس اتساع قدرة المقصد المصري على تقديم منتجات وتجارب متنوعة، من السياحة الثقافية والشاطئية والترفيهية إلى السياحة البيئية والصحراوية والدينية والعلاجية وغيرها.
الجمهورية الجديدة.. رؤية تتعامل مع السياحة كقوة ناعمة وآقتصادية
وفي ظل الجمهورية الجديدة، أصبحت حماية التراث وإعادة تقديمه للعالم جزءًا من منظومة أوسع للتنمية السياحية، تقوم على تطوير المقاصد وتحسين تجربة السائح وزيادة الطاقة الفندقية ورفع جودة الخدمات وتوسيع شبكة الطيران وربط المواقع الأثرية بالمنتجات السياحية المتنوعة.
وتأتي هذه الجهود في إطار رؤية مصر 2030 والإستراتيجية الوطنية للسياحة المستدامة، التي تستهدف تعزيز تنافسية القطاع واستدامته، وزيادة العائد الاقتصادي والاجتماعي من السياحة، مع الحفاظ على التراث الحضاري والموارد الطبيعية. كما أعلنت الحكومة إستمرار العمل نحو مستهدف جذب 30 مليون سائح سنويًا، مع التأكيد على تطوير تجربة السائح والبنية الأساسية والمقاصد الأثرية والترفيهية.
وفي هذا الإطار، فإن الإهتمام الذي توليه فخامة رئيس الجمهورية بقطاع السياحة والآثار، ودعم الدولة لمشروعات تطوير المقاصد والبنية الأساسية وفتح آفاق جديدة أمام الإستثمار السياحي، يضع الاكتشافات الأثرية في سياق أوسع من مجرد الإعلان عن أثر جديد؛ فهي تتحول إلى مكون من مكونات القوة الناعمة المصرية، وأداة لتعريف العالم بثراء الشخصية الحضارية المصرية.
من «20 مليون» إلى «30 مليون».. التحدي هو تعظيم العائد
ومع إقتراب مصر من تسجيل مستويات تاريخية جديدة في أعداد الحركة السياحية، يصبح التحدي الحقيقي هو كيفية الانتقال من زيادة الأعداد إلى تعظيم العائد، ومن التركيز على الوجهات الأكثر شهرة إلى تقديم خريطة أوسع للمقاصد المصرية.
وهنا يمكن أن تلعب الواحات الداخلة دورًا مهمًا، بما تمتلكه من مقومات أثرية وبيئية وصحراوية، وبما توفره من فرصة لدمج أكثر من نمط سياحي في تجربة واحدة.
فالسائح الذي يصل إلى الواحات لا ينبغي أن يرى موقعًا أثريًا فقط، بل يمكن أن يعيش تجربة متكاملة تشمل التاريخ، والعمارة، والطبيعة، والبيئة الصحراوية، والحرف المحلية، والموروث الثقافي، والسماء الصافية، بما يفتح المجال أمام منتجات سياحية متخصصة ذات قيمة مضافة مرتفعة.
وهذا هو جوهر إستراتيجية السياحة المستدامة: أن نحافظ على الأثر، ونحمي البيئة، ونشرك المجتمع المحلي، وفي الوقت نفسه نحول المقومات التاريخية والطبيعية إلى قيمة إقتصادية وسياحية مستدامة.
مصر.. حضارة لا تنتهي فصولها
إن اكتشاف مقبرة بئر الشغالة لا يمثل مجرد العثور على بناء هرمي من الطوب اللبن، أو لوحة تحمل مرثية من 19 سطرًا، أو عملة برونزية تحمل أسم الإمبراطور قسطنطين؛ وإنما يمثل وثيقة حضارية متكاملة تروي كيف عاشت مصر، وكيف تفاعلت الحضارات على أرضها، وكيف ظلت الشخصية المصرية قادرة على الإحتفاظ بجذورها وهي تنفتح على العالم.
فمن الهيروغليفية إلى اليونانية، ومن الرموز المصرية إلى التأثيرات الرومانية، ومن المقبرة القديمة إلى خريطة السياحة الحديثة، تتواصل الحكاية.
وتظل مصر، في الجمهورية الجديدة، تمتلك واحدة من أهم نقاط القوة التي لا يمكن لأي مقصد آخر أن يمتلكها بذات الصورة: حضارة حية ومتنوعة، ومواقع أثرية لا تزال تكشف أسرارها، ومنتج سياحي قادر على التجدد كلما أزيح الستار عن صفحة جديدة من صفحات التاريخ.
وهكذا تواصل أرض مصر رواية حكايتها للعالم، ويأتي كل كشف أثري جديد ليؤكد أن موقع مصر على خريطة السياحة العالمية لا تصنعه الآثار وحدها، وإنما تصنعه حضارة كاملة تتجدد أمام أعين العالم، ورؤية دولة تعمل على تحويل هذا التراث إلى مستقبل سياحي أكثر تنوعًا واستدامة وعائدًا.
*الكاتبة، هى الخبير السياحي والفندقي والدكتور الزائر بكليات ومعاهد السياحة والفنادق بالجمهورية
