جاءنا الآن
الرئيسية » سوشيال ميديا » دعاء فؤاد تسطر:”غرور التدين”..القلوب القاسية كيف تصلى؟

دعاء فؤاد تسطر:”غرور التدين”..القلوب القاسية كيف تصلى؟

دعاء فؤاد

ليس كل ما نفعله باسم الدين يعبر بالضرورة عن صحيحه ووسطيته، وليس كل من رفع صوته دفاعا عن الفضيلة كان أكثر فضيلة، بل أحيانا العكس صحيحا.

أحيانا تكشف لنا واقعة بسيطة مقدار ما تغير في علاقتنا بالدين؛ فبدلا من أن يكون التدين بابا للرحمة وحسن الخلق، يتحول إلى وسيلة للمزايدة على الآخرين، وإثبات من هو الأكثر التزاما، ومن يملك حق الحكم على الناس.

وهذا تحديدا ما حدث فى واقعة داخل أحد المطاعم الشهيرة في أحد المولات، حين طلبت فتاة مكانا للصلاة، فأخبرها مدير المطعم بوجود مسجد مخصص للصلاة على بعد نحو 50 مترا، لكنها اختارت الصلاة داخل المطعم..ثم تطور الأمر إلى مشادة بينها وبين المدير، تدخلت فيها صديقاتها، وانتهت بطردهن من المكان.

وبعد انتشار الواقعة على مواقع التواصل الاجتماعي، انقسم الناس بين مؤيد يرى أن الصلاة لا يجوز منعها، ومعارض يرى أن المكان العام له قواعده، وأن وجود مسجد قريب كان حلا واضحا للموقف.
والحقيقة أن المسألة لم تكن تحتاج إلى كل هذا الصخب.

دعاء فؤاد تسطر:”غرور التدين”..القلوب القاسية كيف تصلى؟

الصلاة فريضة، ولا تمنع المرأة من أدائها لمجرد أنها خارج المسجد، ما دامت تتوافر شروط الصلاة. وفي الوقت نفسه، فإن احترام المكان ونظامه واحترام الآخرين أمر لا يتعارض مع العبادة.

كان يمكن ببساطة أن تؤدي الفتاة صلاتها في المكان المخصص لها، أو أن ينتهي الحوار بينها وبين مدير المطعم بهدوء، دون أن يتحول الأمر إلى مشادة ثم إلى قضية رأي عام.

لكن القصة لم تنته هنا. بعد انتشار الواقعة، تصاعد الغضب على مواقع التواصل، وانتهى الأمر بالاستغناء عن مدير المطعم وقطع مصدر رزقه وهنا لا بد أن نتوقف قليلا لنطرح عدة تساؤلات ملحة.

متى أصبح التدين يعني أن ننتصر على الآخرين؟
ومتى أصبح الدفاع عن الدين مرتبطا بالتشهير أو العقاب أو حتى الشماتة في شخص فقد عمله؟
هنا يظهر ما يمكن أن نسميه “غرور التدين”.

وهو ليس التدين نفسه، بل شعور خفي قد يصيب الإنسان عندما يبدأ في النظر إلى التزامه باعتباره دليلا على أنه أفضل من غيره.
فيصبح مشغولا بمن يصلي ومن لا يصلي، ومن يلتزم ومن لا يلتزم، ومن يستحق المدح ومن يستحق الإدانة، وينسى أن علاقته بالله شأنه هو، وأن الحكم على الأخرين ليس مهمته.

دعاء فؤاد تسطر:”غرور التدين”..القلوب القاسية كيف تصلى؟

غرور التدين يجعل الإنسان يرى أخطاء الآخرين بسهولة، لكنه لا يرى قسوته هو.
يجعله يدافع عن الفضيلة بطريقة تفتقد إلى الفضيلة.
ويجعله يتحدث عن الرحمة، بينما لا يرحم.
ويتحدث عن الأخلاق، بينما يؤذي إنسانا.

هنا يصبح السؤال الأهم:
هل ننتصر للدين فعلا، أم ننتصر لأنفسنا ونحن نتحدث باسمه؟
إذا كان مدير المطعم قد أخطأ، فهناك إدارة تستطيع محاسبته، وهناك قانون ينظم العمل. أما تحويل الأمر إلى حملة جماعية تنتهي بقطع رزق إنسان، فلا ينبغي أن يكون مصدرا للفخر.

قطع الأرزاق ليس مجالا للتفاخر، ولا ينبغي أن يتحول فقدان الإنسان لعمله إلى انتصار يحتفل به من يختلف معه.
قد نختلف، وقد نغضب، وقد نرى أن شخصا أخطأ، لكن يبقى هناك شيء اسمه الرحمة.

ربما يكون الاختبار الحقيقي لتدين الإنسان هو قدرته على أن يختلف دون أن يكره، وينتقد دون أن يهين، ويحاسب دون أن يتشفى.

فليس من الصعب أن نتحدث عن الدين، لكن الأصعب أن تظهر أخلاق الدين في تصرفاتنا.
ليس صعبا أن نصلي، لكن الأصعب أن تمنعنا الصلاة من ظلم الناس.
وليس صعبا أن نقول إننا ندافع عن الحق، لكن الأصعب أن نكون عادلين حتى مع من نختلف معه.

التدين الحقيقي لا يجعل صاحبه يبحث عن أخطاء غيره بل يجعله أكثر انشغالا بإصلاح نفسه.
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان أن يظن أن قربه من الله يمنحه الحق في القسوة على خلق الله.
فالله لا يحتاج إلى قسوتنا حتى ندافع عن دينه، ولا يحتاج إلى إيذاء إنسان حتى نثبت أننا متدينون.
فإذا كان الدين يهذب الروح، فلابد أن يظهر أثره في أخلاقنا.وفي رحمتنا.وفي الطريقة التي نعامل بها الآخرين.

في النهاية، ربما لا يكون السؤال: من كان على حق في واقعة المطعم؟
بل السؤال الأهم:
هل أصبحنا نريد أن نبدو متدينين أمام الناس، أكثر مما نريد أن نكون صالحين في أعين الله؟
ومن هنا تبدأ مراجعة النفس لا محاكمة الآخرين.

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *