
تحية تقدير لمعالي عمرو موسى، وللأستاذ المحترم عبدالرحمن الراشد. كلاكما من الشخصيات العربية التي نحترم تجربتها الطويلة ورأيها، وقد تابعت ما كتبتما باهتمام.
المؤسف أن كلاكما محقّ في جانب كبير مما طرحه. فالمشهد الذي نعيشه اليوم هو نتيجة مشروعين خطيرين على منطقتنا، وجهان لعملة واحدة. إسرائيل بطموحاتها التوسعية التي لم تخفها يوماً، وسعيها الدائم لفرض واقع إقليمي يخدم مصالحها ويكرّس تفوقها.
وفي المقابل إيران بمشروعها التوسعي الذي عملت عليه عبر العقود الماضية، من خلال دعم وتسليح الميليشيات المسلحة في عدد من الدول العربية والتدخل في شؤونها وزعزعة استقرارها. كلا المشروعين أضرّ بالعالم العربي، وكلاهما لا يقل خطراً عن الآخر.
واللافت أن كل طرف في هذه الحرب يدّعي أنه يعمل من أجل تحقيق مستقبل أفضل للشرق الأوسط والعالم العربي، وأنه يسعى إلى الاستقرار أو حماية المنطقة. لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع أن أياً منهم لم يقدم للعرب أو للشرق الأوسط مبادرة خير واحدة حقيقية تُبنى عليها الثقة.

ما رأيناه طوال السنوات الماضية كان صراعات ونفوذاً وتدخلاً وصدامات، بينما بقيت شعوب المنطقة هي التي تدفع الثمن.
وهكذا تجد الدول العربية نفسها بين المطرقة والسندان، بين مشروعين يتصارعان على أرضنا وعلى حساب شعوبنا وهويتنا العربية. وهذا واقع مؤلم، لكنه حقيقة لا يمكن تجاهلها. ولا مخرج من هذا الوضع إلا بتعاضد عربي حقيقي، ووقفة واحدة، وقوة موحّدة تعرف كيف تحمي مصالحها وتفرض احترامها.
هذه الحرب ستنتهي عاجلاً أم آجلاً. وأنا على يقين بإذن الله أن دول مجلس التعاون الخليجي قوية ومتماسكة، وأن أمنها واستقرارها سيبقيان ثابتين. لكن لا شك أن ما يجري اليوم سيترك أثراً عميقاً في النفوس وفي ذاكرة شعوب المنطقة، أثراً لن يكون من السهل تجاوزه.

ولعل أهم درس يجب أن نتعلمه من هذه المرحلة هو أننا لا نستطيع أن نضع مصيرنا في يد أحد خارج عالمنا العربي. الثقة يجب أن تكون أولاً في أنفسنا، في قدراتنا، وفي وحدتنا. وأن يكون حوارنا مع العالم من موقع الندية والاحترام المتبادل، لا من موقع الضعف أو التبعية.
علينا أن نتحدث بوضوح وأن تكون مواقفنا حازمة. الدول العربية ليست ساحة صراع للآخرين، وليست ورقة في حسابات القوى الكبرى. وعلى الولايات المتحدة أن تختار بوضوح وصراحة الوقوف مع مصالح الدول العربية في هذه المنطقة، لا أن تستمر في الانحياز إلى إسرائيل على حساب شركائها العرب. لأن استمرار هذا النهج سيضعف تلك التحالفات ويهدد المصالح المشتركة التي بُنيت عبر عقود.
وفي نهاية المطاف، الحقيقة التي يعرفها الجميع في السياسة والعلاقات الدولية هي أن الدول تحترم القوة. وإذا لم ندرك حجم قوتنا كعالم عربي، وإذا لم نتحرك على هذا الأساس، فلن يستطيع أحد أن يحمي مستقبلنا سوانا. أما إذا عرفنا قيمتنا ووحدنا كلمتنا، فسيكون لنا صوت مسموع ومكانة يُحسب لها حساب.

ونحن قادرون على ذلك، رغم أننا نختار الهدوء وضبط النفس والحكمة في التعامل مع الأزمات، لكن لا ينبغي لأحد أن يسيء فهم هذا الهدوء أو يظنه ضعفاً.
فما قبل هذه الحرب ليس كما بعدها. لقد تغيّرت الحسابات، وعلى العالم العربي أن يعي هذه الحقيقة جيداً. علينا أن نكون أكثر حذراً مع الجميع، وأن ندرك أن الثقة الحقيقية يجب أن تكون أولاً في أنفسنا، وفي قوتنا ووحدتنا وقدرتنا على حماية مصالحنا والدفاع عن مستقبلنا.
