
ظاهريا، أحدث إلقاء القبض على 6 محررين من موقع “متصدقش” بتهم الانتماء إلى جماعة إرهابية محظورة، ما يشبه الانقسام والتلاسن داخل الجماعة الصحفية، وفي الهجوم على نقيب الصحفيين ومجلس النقابة الذي يضم كل التيارات السياسية التي غالبا ما تتوارى عند التعرض لشأن نقابي، أو هكذا رسخت الممارسات النقابية على مدار تاريخ النقابة. وكان الأكثر ترسيخا لها نقباء ومجالس كانت تحسب في المجال العام على الموقف الرسمي وربما الحكومي.
كما أحدث القبض على محرري “متصدقش” شرخا ظاهريا بين كل ما تمثله المؤسسات الرسمية (وزارة الداخلية والنيابة العامة) من جانب، وبين النقابة ونقيبها ومجلسها من جانب آخر، وظهر هذا جليا في التباين الواضح فيما احتوته البيانات الصادرة عن كل الأطراف.
اعرف أكثر
اللواء خيرت شكرى يسطر: لن نسمح باغتيال ضباط الشرطة معنويا..أسرهم خط أحمر
لذا وجدت نفسي وبدافع شخصي مضطرا للتحليق فوق المشهد كي أستطيع أن أراه متجردا دون أي انحيازات أو مواقف مسبقة أو معلبة أو سابقة التجهيز. والحمد لله لا يستطيع أحد أن يحسبني على أي تيار سياسي، وأفخر بأنني صاحب تفكير مستقل. وسأسردها ورزقي على الله في عدد من النقاط، كالآتي، وسأبدأ بعدد من النقاط التأسيسية للرؤية:
1- من غير المقبول المزايدات الرخيصة على الموقف من الفكر التكفيري والجماعات الإرهابية التي أثبتت بالدليل والواقع والتجارب والمعايشة استخدامها للعنف كوسيلة لتحقيق أهدافها السياسية تحت ستار الدين، ولإسقاط كل ما هو مؤسسات تقف في سبيل تحقيق ذلك.

2- هناك خطأ استراتيجي، حتى لو كانت تفاصيله “قانونية منضبطة” في مقدمتها منح جماعة الإخوان المسلمين المحظورة والإرهابية وزنا أكبر من وزنها وحساب كل “مختلف”: مبدع أو معارض أو حتى مستقل على جماعة لم يعرف عنها على مدار تاريخها أنها شجعت على إبداع أو اختلاف أو أي مساحات للاستقلال في الرؤية. وكانت نتيجة ذلك أنها كلما عصفت بها الانقسامات والصراعات والتهافت على السلطة والنفوذ بين مكوناتها، منحتها المزايدات والاتهامات للشخصيات العامة ذات الثقل النسبي قبلة الحياة وأعادتها للمشهد.
3- جماعة الإخوان تستغل تلك الحالة في ترسيخ سردية وفكرة أنها البديل لكل ما هو قائم، ونحن ننجر إلى خطيئة في حق الوطن بأن نضعها في كفة مقابلة لكل مؤسسات الدولة وبديلا عنها وكأنها معادلة أبدية وصفرية لا حساب فيها لملايين المصريين من المدنيين ومؤسساتهم التي تمثلهم وتدافع عنهم.
اعرف أكثر
4- لا بد من الإقرار أن مفردات العالم الذي نعيش فيه وشكلت قاموسه ومرجعياته قد اختلفت عن بعض “الجمل والمفردات المحدودة” التي نعيد تدويرها فيما بيننا، وأن نقر بأننا لا نعيش في “صوبة زراعية” معزولة عما بخارجها من تأثيرات وعوامل جوية عاصفة. وأن الحريات العامة و”حرية الصحافة” في المقدمة هي التي تتصدر تصنيف: النظام السياسي والحكومات والمجتمعات. وأن مجرد وضع دولة في تصنيف الأسوأ في مجال حرية الصحافة يدمر مصداقيتها ويدمر كل الرسائل التي تخرج عنها، وأن أي مساس بممارس للصحافة والإعلام هو مساس بتلك الحريات.
5- الواقع يقول ويقر دستوريا أن لدينا كيانا “مهما” هو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الذي يمنح تراخيص المواقع والصفحات ويراجع محتواها. وهو المجلس الذي تعاقب عليه الأساتذة: مكرم محمد أحمد وكرم جبر ومؤخرا المهندس خالد عبد العزيز، وهو الذي يجب أن يتصدر المشهد بحيث يكون “العقل السياسي” و”الحضور المهني” متصدرا. ويكفي أن نعرف أن المجلس الأعلى للإعلام تأسس في 11 أبريل 2017، وأن منصة “متصدقش” تأسست صفحتها بعده بعام في 25 أبريل 2018، وكانت هناك العديد من الفرص الضائعة للتعامل المؤسسي المنضبط وفقا لنصوص دستورية.

6- في هكذا قضايا يكون دور أي نقابة وليس نقابة الصحفيين تمييزا، هو الدعم القانوني للعضو حتى استنفاد كل درجات التقاضي وصولا للنقض، وعدم الاكتفاء باتهامات النيابة العامة الموقرة “جهة توجيه الاتهام والخصم الشريف في الدعوى”. ونقابة الصحفيين على مدار تاريخها تتخذ هذا الموقف وليس مستجدا عليها.
7- ليس دور نقابة الصحفيين أو أي نقابة مهنية أن تقدم العضو المدان للمحاكمة أو التنازل عن حقه في الدعم القانوني قبل صدور حكم محكمة النقض. وأن النقابات لا تتحرك صوب الإدانة بناء على تقرير تحريات الجهات الأمنية، على النقيض يتحول الأمر إلى قواعد اللعبة الطبيعية: هناك طرفان، جهة اتهام وتحريات وجمع معلومات وأدلة، وعلى الجانب الآخر من النهر جهة الدفاع والدعم والحماية.
اعرف اكثر
8- المعركة الدائرة بين طرفي النقيض داخل النقابة لا معنى لها ولا أفهمها إلا في إطار التصيد. هناك طرف يزايد على الوطنية ويطالبهم بالتخلي عن أي صحفي أو ممارس للصحافة بمجرد صدور اتهام، بينما هناك طرف يزايد في وقت لا تنفع فيه المزايدة ويدفع نحو الصدام مع جهات الاتهام وفتح كل الملفات دفعة واحدة.
9- وجود قضية تنظرها النيابة العامة الموقرة لا يجب أن يستغل في إطار أوسع لشيطنة مهنة الصحافة والنقابة والصحفيين، وأن تتحول قضية إلى آلة هدم تدمر مؤسسة وطنية “نقابة الصحفيين”، وهي في كل المجتمعات المتقدمة تعد “ضمير المجتمع”.

10- فكرة أن الصحفي “على رأسه ريشة” هي فكرة ممجوجة، لأن الريشة يضعها المجتمع الذي يستشعر أهمية دور الصحافة في تشكيل وتهيئة المناخ الذي يعيش فيه، وهي الريشة التي بسببها تمنح سائر المجتمع الجوهرة التي تزين التاج.
الختام: رجاء تحكيم العقل والمنطق والمصلحة العامة والتخلي عن الخنادق المقيتة، وأن نقول لمصلحة هذا البلد: إن الصدام بين المؤسسات الوطنية وشيطنة وتدمير بعض المؤسسات والمكونات ندفع ثمنه جميعا، وليس في مصلحة أحد أن نصل لهكذا مصير. وأن الدفاع دائما يكون عن العناوين والمبادئ الكبيرة والمقدسة. يا رب احفظ مصر وشعبها وجيشها وأرضها وصحافتها ونيلها…
*المقال، من رصد فريق تصحيف السوشيال ميديا عبر الحساب الشخصي للكاتب، رئيس تحرير الأهرام ويكلى سابقا والخبير بمركز الفكر المصري*
