جاءنا الآن
الرئيسية » جاءنا الآن » “موقعة باسوس”..وإعادة تعريف الرجولة والقيم

“موقعة باسوس”..وإعادة تعريف الرجولة والقيم

سلامة عبد الفتاح

حين يتحول الشارع إلى ساحة خوف، ويصير الطفل شاهدا على دم أبيه، فاعلم أن الجرح أعمق من حادثة، وأن الأزمة ليست خبرا عابرا في نشرات المساء.

ما حدث في قرية باسوس التابعة لمدينة القناطر الخيرية ليس مجرد اعتداء، بل مرآة تعكس توترا مكبوتا، وغضبا يتراكم في النفوس حتى ينفجر في لحظة غياب وعي ورحمة.

أن يُضرب أب أمام ابنه، فذلك كسر في جدار الأمان. الطفل لا يرى مجرد مشاجرة، بل يرى صورة الحماية وهي تهتز. يرى اليد التي كان يختبئ فيها ترتجف، فيتسلل إلى قلبه سؤال مبكر عن معنى القوة والعدل. وهنا تبدأ المأساة الحقيقية؛ لأن العنف لا يصيب الجسد فقط، بل يعيد تشكيل الوجدان.

لقد حذرنا القرآن من هذا المسار حين يغيب العدل وتضطرب القلوب، فقال تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)

“موقعة باسوس”..وإعادة تعريف الرجولة والقيم

فالعدل ليس شعارا سياسيا، بل ميزان حياة. والإحسان ليس ترفا أخلاقيا، بل صمام أمان المجتمع. حين يضعف العدل، يتقدم الانتقام. وحين يغيب الإحسان، يحضر القسوة.

ويقول جل شأنه:
(وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)

كلمة ولا تعتدوا ليست نهيًا عن جريمة فردية فحسب، بل عن ثقافة كاملة تبرر البطش باسم الغضب أو الرجولة أو رد الكرامة. فليس كل صراخ قوة، ولا كل قسوة رجولة. القوة الحقيقية هي التي تضبط نفسها عند الغضب.

اعرف أكثر

چولى ملك تسطر: حتى في رمضان..خطوات القضاء على البلطجة

وقد جاء في السنة النبوية توجيه يضع معيارا واضحا لمعنى القوة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ)

هذا الحديث يعيد تعريف الرجولة التي شوهتها مشاهد العنف. الشديد ليس من يسقط خصمه أرضا، بل من يسقط غضبه في قلبه قبل أن يسقط إنسانا أمامه. المجتمع الذي يتعلم أفراده هذا المعنى، يقل فيه العنف ولو اشتدت الأزمات.

اعرف أكثر

الداخلية تكشف المفاجأة: جد وأخوال طفل باسوس هم من أصابوه ووالده بالخرطوش والمطاوى لخلافات أسرية

إن مسؤولية مواجهة العنف لا تقع على جهة واحدة. الأسرة مطالبة بزرع الطمأنينة في نفوس أبنائها، والتعليم مطالب بأن يربي الضمير قبل أن يملأ الذاكرة، والإعلام مطالب بأن يقدم قدوة رحيمة لا بطلا متغلبا، والدولة مطالبة بإرساء العدل وردع المعتدي، وكل فرد مطالب بأن يراجع قلبه قبل أن يرفع يده.

ما حدث في باسوس ليس قدرا حتميا، بل نتيجة تراكمات يمكن إصلاحها إذا عادت القيم إلى موقعها الطبيعي في البيوت والقلوب. نحن لا نحتاج فقط إلى قوانين أشد، بل إلى ضمائر ألين. لا نحتاج فقط إلى عقوبات أسرع، بل إلى تربية أعمق.

فلنعد إلى ميزان السماء قبل أن نحاسب ميزان الأرض، ولنتذكر أن المجتمع الذي يحمي أطفاله من مشاهد القهر هو المجتمع الذي يحمي مستقبله كله.

اللهم أصلح قلوبنا وألف بيننا واهدنا سبل السلام، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *