
يأتي شهر رمضان كل عام كنسمة رحمة تهبّ على القلوب، فيهدأ صخب الحياة، وتلين النفوس بعد قسوتها. ليس رمضان مجرد صيام عن الطعام والشراب، بل هو دعوة صادقة لمراجعة الذات، وتنقية القلب من الغضب والضغينة، وفتح صفحة جديدة عنوانها التسامح والمحبة.
في هذا الشهر المبارك، نتعلم أن الصفح قوة لا ضعف، وأن العفو يرفع صاحبه قبل أن يُرضي من حوله. كم من خلاف طال أمده يمكن أن ينتهي بكلمة طيبة، وكم من قلوب متباعدة يمكن أن يقرّبها اتصال بسيط أو رسالة صادقة.
رمضان يذكّرنا بأن الحياة أقصر من أن تُهدر في الخصام، وأن أجمل ما نملكه هو قلوب صافية خالية من الأحقاد.
ومع موائد الإفطار التي تجمع العائلة والأصدقاء، تتجدد معاني الألفة والدفء، ويصبح العطاء أسلوب حياة. نمد أيدينا للمحتاج، ونشارك الآخرين الخير، فنشعر بأن المحبة حين تُمنح، تعود إلينا أضعافًا مضاعفة.
طالع مقالات أخرى للكاتبة
دعاء فؤاد تسطر: استهداف المجتمع بتهميش المرأة
وإذا كان الصيام يدرّب الجسد على الصبر، فإن أثره الحقيقي يظهر في تهذيب المشاعر وضبط الانفعالات. نتعلم في رمضان أن نختار كلماتنا بعناية، وأن نستبدل الغضب بالحلم، وردّ الإساءة بالإحسان.
فليس الامتناع عن الطعام هو الغاية، بل الامتناع عن كل ما يثقل القلب ويؤذي الآخرين، حتى يصبح الهدوء الداخلي عادة، والرحمة أسلوب حياة يمتد إلى ما بعد الشهر الكريم.
كما يمنحنا رمضان فرصة ثمينة للتصالح مع أنفسنا قبل الآخرين. نتوقف قليلًا لنستمع إلى احتياجاتنا، ونعيد ترتيب أولوياتنا، ونخفف عن أرواحنا ما تراكم عليها من ضغوط وتعب. ففي لحظات السكون والدعاء، نكتشف أن السلام الحقيقي يبدأ من الداخل، وأن القلب حين يطمئن، يصبح أكثر قدرة على الحب، وأكثر استعدادًا لنشر الخير والطمأنينة في كل من حوله.
فلنجعل من رمضان فرصة حقيقية للتسامح مع من أخطأ في حقنا، وللاعتذار إن أخطأنا، ولإحياء روابط كادت أن تضعف تحت ضغط الأيام. فالقلب الذي يسامح، يعيش بسلام، والنفس التي تحب، تنعم بالطمأنينة.
رمضان ليس شهرًا في التقويم فقط، بل مدرسة للقيم، ورسالة إنسانية تذكّرنا بأن أجمل العبادات قلبٌ رحيم، وكلمة طيبة، ونية صادقة في أن نكون أكثر حبًا وتسامحًا مع كل من حولنا.
