
في بعض الأحيان لا تأتي الدراما فقط لتسلية المشاهد، بل لتفتح ملفات إنسانية مؤجلة، وقضايا مجتمعية تحتاج إلى نقاش صريح.
ومن بين هذه الأعمال يأتي مسلسل أب ولكن، بطولة محمد فراج وهاجر أحمد، وتأليف وإخراج ياسمين أحمد كامل، ليطرح واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمع: قضية الأب الذي يتحول بعد الطلاق إلى مجرد زائر في حياة أبنائه.
المسلسل يسلط الضوء على قانون الرؤية فهو واقع يعيشه كثير من الآباء، حين تتحول علاقتهم بأبنائهم إلى موعد رؤية محدود في مكان عام، لا يتجاوز بضع ساعات أسبوعيًا. وقت قصير لا يسمح ببناء علاقة طبيعية بين الأب وأطفاله، ولا يمنحه فرصة حقيقية للاحتواء أو المشاركة في تفاصيل حياتهم اليومية. وأحيانا تتعمد الأم أن تحرم الأب من حق الرؤية تماما
اقرأ أكثر للكاتبة
دعاء فؤاد تسطر: الخروج من العلاقة التوكسيك
فالقضية لا تتوقف عند الأب فقط، بل تمتد لتشمل العائلة كلها.
فهل من الطبيعي أن يُحرم الجد والجدة من رؤية أحفادهم؟ وهل يُعقل أن يُمنع العم والعمة من رؤية أبناء أخيهم بسبب خلاف وقع بين الزوجين؟ إن الطفل في النهاية لا ينتمي لطرف واحد من العائلة، بل هو امتداد لأسرتين كاملتين.
وبالطبع لا يمكن إنكار أن هناك آباء لا يستحقون لقب الأب، وأن بعض الحالات تستوجب حماية الأم والأبناء من أب غير مسؤول. لكن العدالة لا تعني تعميم العقوبة. فليس من المنطقي أن يدفع الآباء المحترمون ثمن أخطاء غيرهم، أو أن يتحول القانون في بعض الحالات إلى سبب لحرمان الطفل من أحد أهم أركان حياته.
اقرأ أكثر
دعاء فؤاد تسطر: هبة السويدى..حينما يتحوّل الخير لإسلوب حياة
ومن الناحية الإجتماعية، تشير كثير من الدراسات النفسية إلى أن الطفل يحتاج إلى حضور الأب والأم معًا في حياته حتى بعد الانفصال، لأن دور الأب لا يقل أهمية عن دور الأم في بناء شخصية الطفل وشعوره بالأمان.
وعندما يُختزل دور الأب في “زيارة عابرة”، قد يكبر الطفل وهو يشعر بفراغ عاطفي أو بصورة مشوشة عن مفهوم الأسرة.
اعرف أكثر
دعاء فؤاد تسطر: موناليزا والملف المسكوت عنه
كما أن استخدام الأبناء أحيانًا كوسيلة للضغط أو الانتقام بين الطرفين قد يحوّل الطفل إلى ضحية لصراع لا ذنب له فيه. فالخلاف بين الزوجين قد ينتهي بالطلاق، لكن الأبوة والأمومة لا تنتهي أبدًا.
وهنا يطرح مسلسل أب ولكن سؤالًا مهمًا أمام المجتمع والقانون معًا:
هل سيأتي الوقت الذي نرى فيه قانونًا يوازن بين حق الأم في الأمان والاستقرار، وحق الأب في احتواء أبنائه وليس مجرد رؤيتهم لساعات قليلة؟
طالع هذا المقال للكاتبة
دعاء فؤاد تسطر: الانفصال..حين نزلزل أبناءنا دون أن ندرى
فالطفل لا يحتاج فقط إلى من يطعمه ويرعاه، بل يحتاج أيضًا إلى أب يحتضنه، ويشاركه لحظاته، ويكون حاضرًا في حياته. وربما تكون أهم رسالة يقدمها هذا العمل الدرامي أن الأطفال لا يجب أن يدفعوا ثمن صراعات الكبار، وأن العدالة الحقيقية هي التي تحفظ حق الطفل في عائلة متوازنة، حتى لو تغير شكل هذه العائلة بعد الانفصال.
إن بناء إنسان سوي نفسيًا لا يتحقق بحرمانه من أحد والديه، بل بإبقائه قريبًا من كليهما قدر الإمكان. وربما تكون الرسالة الأهم التي يطرحها العمل أن المجتمع والقانون معًا مطالبان بالبحث عن حلول أكثر إنصافًا، تحمي الطفل أولًا، وتحفظ في الوقت نفسه حق الأب في أن يكون أبًا حاضرًا في حياة أبنائه، لا مجرد زائر يمرّ لساعات قليلة ثم يرحل.
