
في 28 فبراير/شباط 2026، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران، ما أدى إلى تصعيد مفاجئ وخطير في الأوضاع بمنطقة الشرق الأوسط. ولم تقتصر تداعيات هذه المواجهة على استهداف عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين، من بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي، بل أسفرت أيضاً عن سقوط أكثر من ألف ضحية من المدنيين وتضرر مواقع من التراث الثقافي العالمي، في حين امتدت نيران الصراع سريعاً إلى دول مجاورة، وتعرضت أسواق الطاقة العالمية لاضطرابات حادة.
وأمام هذه الأزمة الإقليمية المفاجئة، سارعت الصين، بوصفها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي ودولة كبرى مسؤولة، إلى اتخاذ موقف واضح والتحرك بسرعة. من خلال إعلان موقف مبدئي صريح، وإطلاق جهود دبلوماسية نشطة للوساطة، واتخاذ إجراءات عملية لحماية رعاياها في الخارج، بعثت الصين برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي مفادها أن القوة العسكرية لا يمكن أن تحل المشكلات، وأن الحوار والتفاوض هما السبيل الوحيد، وأن العالم لا ينبغي أن يعود إلى “قانون الغاب”.
اعرف أكثر
أولاً: الموقف الأساسي للصين: احترام السيادة ورفض استخدام القوة
منذ اللحظات الأولى لاندلاع الأزمة، أعلنت وزارة الخارجية الصينية موقفها الحازم. ففي 28 فبراير، صرّح المتحدث باسم الوزارة بأن الصين تشعر بقلق بالغ إزاء الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، مؤكداً أن سيادة إيران وأمنها وسلامة أراضيها يجب أن تُحترم، داعياً إلى الوقف الفوري للعمليات العسكرية والعودة إلى طاولة الحوار.
ومع تطور الأحداث، أصبح الموقف الصيني أكثر وضوحاً وحزماً. ففي المؤتمر الصحفي الدوري لوزارة الخارجية يوم 2 مارس/آذار، أكدت المتحدثة باسم الوزارة ماو نينغ أن الضربات العسكرية التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران دون تفويض من مجلس الأمن تُعد انتهاكاً للقانون الدولي.

وعقب تأكيد خبر مقتل المرشد الأعلى الإيراني في الهجوم، أعربت الصين عن إدانتها الشديدة، معتبرة أن استهداف وقتل القيادة العليا لإيران يشكل انتهاكاً خطيراً لسيادتها وأمنها، وانتهاكاً صارخاً لمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقواعد الأساسية للعلاقات الدولية.
ويرتكز الموقف الصيني على أسس قانونية واضحة، أبرزها:
1. احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها باعتباره مبدأ أساسياً في العلاقات الدولية.
2. رفض استخدام القوة في العلاقات الدولية ورفض أي عمل عسكري لا يحظى بتفويض مجلس الأمن.
اعرف أكثر
أ.د سعيد عطية يسطر: مصر التى تريدها إسرائيل بعد التخلص من إيران..وكيف نواجه ذلك؟
3. ضرورة حماية المدنيين في النزاعات المسلحة وعدم تجاوز هذا الخط الأحمر.
ثانياً: جهود الوساطة الصينية: اتصالات رفيعة ومنصات متعددة الأطراف
خلال أسبوع واحد من اندلاع الأزمة، أطلقت الصين تحركات دبلوماسية مكثفة بهدف تهدئة التوتر ومنع توسع الصراع.

دبلوماسية رفيعة المستوى
أجرى عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني ووزير الخارجية وانغ يي سلسلة من الاتصالات الهاتفية مع نظرائه في روسيا وإيران وفرنسا وسلطنة عمان والسعودية والإمارات، موضحاً موقف الصين داعياً إلى وقف الحرب.
وخلال هذه الاتصالات، شدد وانغ يي على ثلاث نقاط رئيسية:
1. الوقف الفوري للعمليات العسكرية.
2. العودة في أسرع وقت ممكن إلى الحوار والتفاوض.
3. معارضة الأحادية والتصرفات المنفردة في الشؤون الدولية.
اعرف أكثر
كيف تعيد الحرب الإيرانية الهيبة والهيمنة لروسيا رغم أن المفروض النقيض؟!
وأكد أن الدول الكبرى لا يجوز لها استغلال تفوقها العسكري لمهاجمة دول أخرى، وأن العالم لا ينبغي أن يعود إلى قانون الغاب.
التحرك عبر الأمم المتحدة
وبمبادرة من الصين وروسيا، عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً طارئاً في 28 فبراير لمناقشة الوضع في إيران. وخلال الاجتماع، قال مندوب الصين الدائم لدى الأمم المتحدة إن الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على الأراضي الإيرانية أدت إلى تصعيد خطير في المنطقة.

وأكد أن القوة ليست وسيلة صحيحة لحل النزاعات الدولية، بل تؤدي إلى تعميق الكراهية وتفاقم التوترات، مشيراً إلى أن هذه الضربات وقعت بينما كانت المفاوضات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران جارية، وهو أمر يبعث على القلق الشديد.
وفي اجتماع لاحق لمجلس الأمن حول “الطاقة والمعادن الحيوية والأمن”، جدّدت الصين دعوتها إلى وقف الأعمال العسكرية فوراً لتجنب تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي.

إرسال مبعوث خاص
وفي 4 مارس، أعلن وزير الخارجية الصيني خلال اتصالاته مع وزراء خارجية السعودية والإمارات أن الصين سترسل مبعوثها الخاص لقضايا الشرق الأوسط إلى دول المنطقة لإجراء مشاورات ودفع جهود التهدئة.
ويرى العديد من الباحثين في المنطقة أن هذا الدور يعكس رغبة الصين في الإسهام في استقرار الشرق الأوسط عبر دبلوماسية متوازنة وضغط سياسي هادئ.
