
منذ يومين، كشف تقرير في الزميلة جريدة الشروق عن نية الحكومة المضي قدماً في مشروعها لمراجعة ملكيات ضفاف النيل، بإعلانها بدء حصر الأراضي المطلة على كورنيش النيل في محافظة القليوبية، ضمن ما تسميه “خطة تعظيم الاستفادة من الأراضي غير المستغلة”، في إطار استكمال مسيرة البيع التي بدأتها في القاهرة والجيزة.
تفاصيل الصفقة: الجدول الزمني للتصفية
ووفقاً لتصريحات مسؤول حكومي، فإن عملية الحصر ستنطلق بداية من 2026، بعد الانتهاء من عمليات التقييم العقاري ودراسة “الاستغلال الأمثل” للأراضي التي تم حصرها مسبقاً على كورنيش النيل بمحافظتي الجيزة والقاهرة.
الهدف المعلن هو تحويل هذه الأراضي إلى مشروعات استثمارية وفندقية، ضمن خطة طموحة لاستقبال 50 مليون سائح سنوياً بحلول 2030.
وفي إطار الإعداد للصفقة، كشف المصدر عن أن الحكومة تُجهز للتعاقد مع مكاتب استشارية معتمدة خلال الشهرين المقبلين، لوضع التصورات النهائية لاستغلال هذه الأصول، ما يؤكد أن القرار قد اُتخذ وأن التنفيذ أصبح مسألة وقت فقط.

خلفية الصفقة: من القاهرة والجيزة إلى القليوبية
يأتي قرار حصر أراضي القليوبية بعد إعلان مجلس الوزراء عن انتهاء حصر 745 فداناً من الأراضي والمباني المطلة على كورنيش النيل في محافظتي القاهرة والجيزة، تمهيداً لتحويلها إلى فرص استثمارية بأنشطة متنوعة.
وبتحليل الأرقام نجد أن:
· إجمالي ما تم حصره في القاهرة: 110 موقعاً بمساحة 430 فداناً
· إجمالي ما تم حصره في الجيزة: 82 موقعاً بمساحة 315 فداناً
وهذه المواقع منتشرة في أحياء حيوية تشمل: الساحل، روض الفرج، بولاق أبو العلا، السيدة زينب، مصر القديمة، دار السلام، المعادي، وطرة، المعصرة، وغرب القاهرة، بالإضافة إلى أحياء الوراق، إمبابة، العجوزة، الدقي، وجنوب الجيزة.
التحليل الاستراتيجي: قراءة في المشهد الكامل
أولاً: استكمال مشروع مراجعة الأصول العامة
ما يحدث اليوم مع أراضي القليوبية ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من سياسات مراجعات الملكية العامة، التي تتبنى فلسفة تقوم على تحويل كل ما هو عام إلى سلعة قابلة للبيع والشراء.
ثانياً: منهجية التسليع والخصخصة
في قلب هذه الرؤية الرأسمالية المتوحشة، تُنظر إلى الأراضي والموارد الطبيعية والمرافق العامة ليس كحقوق للمواطنين، بل كأصول مالية قابلة للتداول والتسويق. المنطق الذي يحكم هذه السياسة بسيط: كل شيء له ثمن، ولا مكان لما هو “مجاني” في حسابات السوق.

ثالثاً: مغالطة “الأراضي غير المستغلة”
تستخدم الحكومة مصطلح “الأراضي غير المستغلة” استخداماً غير دقيق، فما تعنيه به ليس الأرض الخالية فعلاً، بل الأرض التي يستفيد منها العامة دون مقابل مادي. النوادي الشعبية، الحدائق العامة، المسارح، كلها في عرف الحكومة “غير مستغلة” لأنها لا تُدر أرباحاً مادية مباشرة.
رابعاً: أولوية الربح على الحقوق
في معادلة الرأسمالية المتوحشة، يخسر الحق العام دائماً أمام الربح الخاص. فاستمتاع آلاف المواطنين بحديقة عامة أقل قيمة من إقامة فندق فاخر يخدم بضعة مئات من الأثرياء. المسرح العائم الذي يشكل ذاكرة جماعية لأجيال، يمكن التضحية به لمصلحة مشروع تجاري تحت الكوبري.
الخلفية الاقتصادية: دوامة الديون وتصفية الأصول
لماذا تلجأ الحكومة لهذه السياسات؟
الإجابة تكمن في أزمة الديون التي تواجهها الدولة. فبعد المشروعات الضخمة التى تصل تكلفتها لمليارات الدولارات، وجدت الحكومة نفسها في مواجهة عجز متزايد في الموازنة، وخدمة ديون تلتهم أكثر من 61% من إيرادات الدولة.
البديل السهل: بيع الأصول
بدلاً من مراجعة السياسات الاقتصادية المليئة بالتحديات، تختار الحكومة المسار الأسهل: بيع ممتلكات الشعب. أراضي النيل اليوم، وأراضي الساحل الشمالي بالأمس، وشركات القطاع العام في الأيام القادمة. كل شيء معروض للبيع لسداد ديون لم يستفد منها الشعب.

التداعيات الاجتماعية: تهميش الأغلبية وإثراء القلة
تهديد المتنفسات العامة
سيؤدي تحويل الأراضي المطلة على النيل إلى مشروعات سياحية وفندقية إلى:
· حرمان ملايين المواطنين من آخر المساحات العامة المجانية
· تدهور جودة الحياة في المناطق المحيطة
· خلق حواجز طبقية تفصل المواطنين عن نهرهم التاريخي
الترويج السياحي
حجة جذب المزيد من السياح لا تصمد أمام التحليل، فمصر تعاني من فائض في الغرف الفندقية، ونسب الإشغال في العديد من الفنادق أقل من المستويات المُرضية. بناء المزيد من الفنادق دون خطة سياحية شاملة يشبه إضافة عربات إلى قطار واقف.
ثانياً: الحلول الاقتصادية البديلة
1. تقديم نماذج اقتصادية بديلة
· إعداد دراسات جدوى لمشروعات مستدامة تخدم المجتمع
· اقتراح نموذج “الاستثمار المجتمعي” بدلاً من البيع
· تصميم مشروعات سياحية شعبية تدر دخلاً مع الحفاظ على الملكية العامة
اقرأ المزيد
د.سالى صلاح تسطر: هل الجنيه على أعتاب تعويم؟
أولاً: الحلول القانونية والقضائية
1. رفع دعاوى قضائية عاجلة
· اللجوء إلى القضاء الإداري لإلغاء قرارات الحصر والتحويل
· الطعن بعدم دستورية القرارات التي تمس حق الشعب في الملكية العامة
· تقديم بلاغات للنائب العام حول الاستيلاء على المال العام
2. توثيق الملكية العامة
· إعداد سجل قانوني يثبت ملكية هذه الأراضي للشعب
· توثيق التاريخ الاجتماعي والبيئي للمواقع المهددة
· إعداد دراسات فنية تثبت الأضرار البيئية للتحويل
3. تفعيل الدور الرقابي والتشريعي لمجلس النواب: استراتيجية شاملة للمواجهة

أولاً: الآليات الرقابية الفعالة لمجلس النواب
1. استجوابات مباشرة لرئيس الحكومة والوزراء
· تخصيص جلسات استجواب أسبوعية حول سياسات بيع الأراضي العامة
· مطالبة رئيس الوزراء بتقديم إحاطات دورية عن صفقات الأراضي المطلة على النيل
2. تشكيل لجان تحقيق برلمانية
· إنشاء “لجنة تحقيق نيابية خاصة” للتحقيق في جميع صفقات الأراضي منذ 2016
· منح اللجنة صلاحيات استدعاء الخبراء ومراجعة الوثائق
· إعداد تقارير ربع سنوية عن نتائج التحقيقات
3. طلبات الإحاطة العاجلة
· تقديم طلبات إحاطة جماعية من كتل برلمانية متنوعة
· التركيز على الجوانب الدستورية والقانونية للصفقات
· المطالبة بتقديم تقارير فنية عن الآثار البيئية والاجتماعية
ثانياً: الأدوات التشريعية لوقف التصفية
1. اقتراح قوانين عاجلة
· تقديم مشروع قانون “حماية الأراضي المطلة على النيل”
· اقتراح قانون “حظر تفريط الدولة في الممتلكات العامة”
· تشريع “الحق الدستوري في الوصول للمساحات العامة”
2. تعديل التشريعات القائمة
· مراجعة وتعديل قانون التصرف في الأراضي الحكومية
· تعديل قانون الاستثمار ليشترط موافقة مجلس النواب على صفقات الأراضي
· تطوير قانون حماية النيل والموارد المائية

3. اقتراح تعديلات دستورية
· المطالبة بتعديل المادة 32 من الدستور لتحظر بيع الأراضي العامة
· تضمين نصوص صريحة بحق الشعب في التراث الطبيعي
· تعزيز الرقابة البرلمانية على تصرفات الحكومة في المال العام
ثالثاً: آليات المتابعة والرقابة المستدامة
1. إنشاء هيئة رقابية برلمانية دائمة
· تشكيل “لجنة دائمة لحماية الممتلكات العامة”
· تزويد اللجنة بخبراء متخصصين في القانون والاقتصاد والبيئة
· منحها صلاحية المراقبة الميدانية للمواقع المهددة
2. نظام تقارير دوري
· إلزام الحكومة بتقديم تقارير ربع سنوية عن الأراضي العامة
· إنشاء سجل برلماني موحد لمتابعة الصفقات
· نشر التقارير بشكل علني للمواطنين
3. جلسات استماع علنية
· عقد جلسات استماع مع ممثلي المجتمع المدني والخبراء
· استضافة أهالي المناطق المتضررة للاستماع لشكاويهم
· بث الجلسات مباشرة لضمان الشفافية
رابعاً: تحالفات وتكتلات برلمانية
1. تشكيل تكتل برلماني عابر للأحزاب
· إنشاء “كتلة الدفاع عن الممتلكات العامة”
· ضم نواب من مختلف التيارات والتوجهات
· تنسيق المواقف والتصويت على القرارات
2. ضغط تشريعي منظم
· استخدام حق سحب الثقة من الوزراء في حال الاستمرار في البيع
· رفض الموازنة العامة ما لم تتضمن بنوداً تحظر بيع الأراضي
· التنسيق مع مجلس الشيوخ لتعزيز الرقابة
3. حملات توعية برلمانية
· عقد مؤتمرات صحفية أسبوعية لكشف الأمور المنتقدة.
· إصدار بيانات موقعة من أغلبية النواب
· تنظيم زيارات ميدانية للأراضي المهددة
اعرف أكثر
د.سالى صلاح تسطر: بالأرقام والتحليل والتوصيات..دعوة لوزير الصناعة لمراجعة مشروع نخيل توشكى والعوينات
د.سالى صلاح تسطر: هل الديون المصرية في الحدود الآمنة؟
خامساً: تفعيل الرقابة المالية
1. رقابة على الموازنة العامة
· مراجعة بنود إيرادات الدولة من بيع الأراضي
· التحقق من أوجه إنفاق العائدات في الموازنة
· رفض أي إيرادات ناتجة عن بيع الممتلكات العامة
2. لجنة الخطة والموازنة
· تفعيل دور اللجنة في مراقبة سياسات الحكومة المالية
· طلب تقارير عن العجز المالي ومبررات البيع
· مقترحات بديلة لسد العجز دون بيع الأراضي
3. مراقبة الأداء المالي
· تقييم كفاءة الحكومة في إدارة المال العام
· مقارنة إيرادات البيع بالخسائر الاجتماعية والبيئية
· تقديم تقارير تقييم أداء للحكومة.
سادساً: التواصل مع المؤسسات الدستورية
1. التنسيق مع الجهاز المركزي للمحاسبات
· طلب تدقيق حسابات صفقات بيع الأراضي
· مراجعة تقارير الجهاز والبناء عليها في الرقابة
· استخدام تقارير التدقيق في الاستجوابات
2. تفاعل مع المحاكم الدستورية
· الطلب من مجلس النواب رفع دعاوى بعدم دستورية القوانين
· استخدام الأحكام القضائية في المناقشات البرلمانية
· احترام واستخدام الأحكام الدستورية في التشريعات

خلاصه القول:
البرلمان سلطة رقابية وتشريعية فاعلة
مجلس النواب يمثل الإرادة الشعبية وله أدوات دستورية قوية يمكن استخدامها لوقف سياسات التصفية، منها:
· سلطة التشريع لإصدار قوانين تمنع البيع
· سلطة الرقابة لمحاسبة الحكومة
· سلطة المال لمراقبة الموازنة والإيرادات
· سلطة السياسة العامة لتوجيه برنامج الحكومة
التفعيل الحقيقي لهذه السلطات يحتاج:
· إرادة سياسية حقيقية من النواب
· ضغط شعبي مستمر
· تنسيق بين مختلف القوى السياسية
· استخدام كامل للأدوات الدستورية المتاحة
اقرأ أيضا
مش قادرين نفتح بيوتنا : تصاعد أزمة محصلي فواتير مياه الشرب بالقاهرة
سادساً: الحلول طويلة المدى
1. تغيير التشريعات
· المطالبة بقوانين جديدة تحظر بيع الأراضي المطلة على النيل
· تعديل القوانين الحالية لتعزيز حماية الملكية العامة
· إنشاء هيئة وطنية مستقلة لإدارة الأراضي العامة
2. بناء وعي أجيال
· إدراج ثقافة الحفاظ على الممتلكات العامة في المناهج التعليمية
3. استراتيجية اتصال دائمة
· إنشاء موقع إلكتروني لمتابعة كل محاولات البيع
· تطبيق هاتفي للإبلاغ عن أي انتهاكات
· نشر تقارير دورية عن أوضاع الأراضي العامة

الخاتمة: المعركة مصيرية، هي معركة وجود وتتطلب استراتيجية متعدد المستويات
هذه المعركة ليست حول بيع أراضي، بل حول:
· الهوية الوطنية وارتباط المصريين بنهرهم
· العدالة الاجتماعية وحق الفقراء في التمتع بثروات بلدهم
· المستقبل الذي نريد تركه للأجيال القادمة
النصر ممكن إذا وحدنا الجهود واعتمدنا على استراتيجية شاملة تجمع بين:
· المقاومة القانونية
· الضغط الشعبي
· البدائل الاقتصادية
· الوعي المجتمعي
السؤال الذي يظل معلقاً: إلى متى سيستمر بيع مقدرات البلاد؟ وإلى أين ستتجه بعد أن تباع آخر شبر على النيل؟
✍️
د.سالي صلاح
خبيرة التخطيط الاستراتيجي والاقتصاد والتسويق الدولي
مبتكرة حلول النمو والتوسع وتحويل مسارات الشركات في الأسواق المتقلبة
CEO – Smart Strategic Business Solutions
هذه المساحة خاصة بأصحاب الآراء، وليس بالتبعية أن تكون مواقف ورؤاهم متوافقة مع السياسة التحريرية لموقعنا

سيدتي الفاضلة،
إسمحي لي أن أذكر لسيادتكم ملخصا وامضا لما ورد بمقالك الدسم.
حضرتك بتنفخي في قربة مقطوعة.
مصــر للأسف بعد عصر الديمقراطية إبان عهد نبي الله موسى وبعد غرق فرعون الذي غرقت معه تلك الديمقراطية،
لم يأتي نواب للشعب على مستوى إتخاذ القرار الملزم للجميع بما فيهم الحاكم،
أسرد لحضرتك سريعا صفات مجلس الشعب الفرعوني،
جمع فرعون مجلس شعبه لينال تفويضا لقتل موسى عليه وعلى نبينا محمد أفضل الصلاة والسلام بالرغم من أن فرعون كان يقول،
أنا ربكم الاعلى والعياذ بالله (يعني أحلامه أوامر)،
كان لديه مبرر لقتل موسى بأن يحوله للقضاء ليقتص الفرعون الذي قتله موسى،
ما هذه الديمقراطية المذهله،
الأشد من من الذهول أن مجلس الشعب الفرعوني لم يصفق أو يرفع يده بالإجماع لإعلان الموافقة على قتل موسى، بل قالوا له “لا تقتل موسى”
الغريب أن فرعون لم يحل مجلس شعبه ويرسل أعضاءه للسجن أو للنفي، بل رضى لرفضهم وطلب إقتراحاتهم،
فقالوا له، إحضر له كبار سحرتنا ليضحضوا سحره،
الطامة الكبرى أن فرعون الحاكم الرب وافق على مقترحات مجلس شعبه ونفذها بحزافيرها.
أخيرا،
هل تلك الصفات متوفرة لدى نواب الشعب الآن🤔
لكي تعولي عليه مهمة الحفاظ على أملاك الوطن والشعب😎