غالب درويش ووحدة الذهب والتعدين
في أفضل عام للفضة والذهب، بعد عام 1979، تواصل الفضة تحليقها و تقود “رالي” المعادن بصعود صاروخي، وسط توقعات لتنامى مستمر طوال العام، حتى يتضاعف سعرها الحالى، والذهب يشتعل معها، رغم بعض الارتباك، والدولار يعتصر مؤلما بينهما، والمعدن الأبيض يقفز أكثر من 65% منذ بداية العام متفوقاً على الذهب وسط انهيار الثقة بالدول
وتأتي هذه التغييرات المفاجئة للبعض ، وسط حالة من التخلي الجماعي من قبل المستثمرين عن الدولار الأميركي الذي هبط إلى أضعف مستوياته في أربعة أعوام، وعزوف متزايد عن السندات السيادية، مما دفع الفضة إلى تجاوز أداء الذهب بقرابة ضعفين ونصف، بعدما استقرت مكاسب المعدن الأصفر عند 25 في المئة للفترة ذاتها.
وفي يوم تاريخي لأسواق السلع العالمية، سجلت أسعار الفضة الخميس قفزة نوعية لافتة، بعدما ارتفع المعدن النفيس بنسبة 2.3 في المئة، ليصل إلى مستوى قياسي غير مسبوق فوق 119.40 دولار للأونصة، مواصلاً سلسلة مكاسب استمرت لست جلسات متتالية.

هذا الارتفاع اليومي لم يكُن سوى حلقة في سلسلة من الصعود الجامح الذي شهدته الفضة منذ مطلع عام 2026، إذ بلغت مكاسبها الإجمالية نحو 65 في المئة، وهو أداء وصفته الوكالات العالمية بالأقوى منذ عام 1979.
تغيير العروش هذا من الدولار وأخواته إلى الذهب والفضة، يرجعه المحللون إلى تضافر عوامل جيوسياسية ونقدية معقدة، فبينما يترقب العالم لتعيين رئيس جديد للسياسة النقدية في “الاحتياط الفيدرالي” خلفاً لجيروم باول، برز اسم ريك رايدر من شركة “بلاك روك” كمرشح قوي يُعرف بدعمه لسياسات تيسيرية وخفض حاد للفائدة، مما دفع المتداولين إلى زيادة رهاناتهم على المعادن النفيسة التي لا تدر عائداً.
اعرف أكثر
هل يعلم ترامب شيئا غير البشر؟: اللهاث العسكري المسعور على المعادن الحيوية النادرة
وبالتوازي مع ذلك، أججت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في شأن عدم قلقه من تراجع الدولار، وتهديداته بفرض رسوم تجارية على كندا وكوريا الجنوبية، المخاوف من عدم الاستقرار المالي.

وأشار المحللون إلى أن هذه البيئة المضطربة عززت ما يُعرف بـ”تجارة خفض قيمة العملات”، إذ أصبحت الفضة المرساة الحقيقية للتحوط ضد تآكل القوة الشرائية.
وفي الصين، انتقل “هوس المعادن” من المؤسسات إلى الأفراد، فتجاوزت الأسعار المحلية نظيرتها العالمية، مما دفع السلطات في شينزن إلى تشكيل فرق عمل لمراقبة منصات التداول.
هذا الزخم الشرائي، المدفوع بطلب صناعي هائل من قطاعات الطاقة الشمسية والذكاء الاصطناعي، جعل الفضة لا تعمل كملاذ آمن وحسب، بل كسلعة استراتيجية نادرة، وسط تحذيرات من أن أي تدخل أميركي محتمل لدعم الين قد يضغط أكثر على الدولار الأميركي، مما يفتح الباب أمام الفضة لتسجيل مستويات قد لا يتخيلها المستثمرون التقليديون.

وفي مفاجأة صادمة لمحبي الفضة، فيجب أن يعلموا أن الانفجار السعرى الحالى، ليس مجرد موجة مضاربة عابرة، بل عملية “إعادة تسعير حقيقية” ناتجة من تلاقي طلب صناعي هيكلي مع طلب استثماري دفاعي في آن واحد.
ويوضح أن خصوصية الفضة تكمن في أن أكثر من نصف استهلاكها يتركز في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة كـ”الطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي”، مما يجعل نموها مرتبطاً بتحولات اقتصادية بعيدة المدى أكثر من ارتباطه بالتقلبات المالية الموقتة.
وتزيد أزمة المعروض من حدة هذا الصعود، إذ تظل قدرة المناجم على زيادة الإنتاج محدودة لأن الفضة تُستخرج غالباً كمنتج جانبي لمعادن أخرى، مما أدى إلى عجز مستمر يضاعف أثر التدفقات النقدية على الأسعار.
