
لعقود، كانت عشية أعياد تشري اليهودية بمثابة إشارة لعقد ندوة سنوية في مركز تراث الاستخبارات في غليلوت لضباط قسم الأبحاث ووحدات جمع المعلومات في إدارة الاستخبارات العسكرية، حول دروس حرب أكتوبر 73.
كانت المواضيع المدرجة على جدول الأعمال ثابتة إلى حد ما: الفشل في التحذير من الحرب – المهمة الأساسية لجهاز الاستخبارات العسكرية؛ المفهوم، والرضا عن النفس، وعدم معرفة العدو، والغرور.

كانت جميع هذه المواضيع حاضرة، وكانت تُستغل أحيانًا لدرجة أنها أصبحت دقيقة. لكن يبدو أن حتى هذه المواضيع، بالنظر إلى الماضي، لم تكن مرضية ونقدية بما فيه الكفاية.
يثير التحقيق الذي أجرته صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية في ملحقها عن رأس السنة العبرية وحرب أكتوبر 73، حول العميل الكبير أشرف مروان تساؤلات حول طبيعة عمل أرفع مصدر بشري (يومنت) في النخبة المصرية في سبعينيات القرن الماضي، والذي كان، بحسب كل الروايات، محور قضية التحذير من الحرب.
اعرف أكثر
عملية التنويم المغناطيسي التى تهاجمها الموساد: صراع إسرائيلى جديد على أسطورة أشرف مروان
كما كان يُنظر إليها في إسرائيل آنذاك. وتثير المقالة الاستقصائية، بالتالي، نقاشاً حول ما إذا كان من الممكن أن يكون العميل الكبير قد أخفى سراً لإسرائيل، مما أدى إلى دفع ثمن باهظ من الدماء في تلك الحرب.
إن الأسئلة المطروحة حول قضية “الملاك” ليست مجرد مسألة تخص ذوي النوايا الحسنة، بل هي مسألة عامة بالغة الأهمية، لا سيما في ضوء احتمال أن تُشكل نسخة طبق الأصل من الفشل الاستخباراتي المُذهل الذي حدث بعد خمسين عامًا ويومًا واحدًا.
عمليًا، قد يُصبح القلق المُثار من أن خطة الخداع المصرية عشية الحرب تضمنت تلاعبات من قِبل “الملاك” سؤالًا محوريًا في التحقيق في هذا الفشل، ودرسًا استخباراتيًا هامًا للمستقبل.
وبالمثل، قد يواجه عمق وطبيعة خطة الخداع التي انتهجتها حماس عشية هجوم 7 أكتوبر 23، والتي لا شك في وجودها، لكن عمقها محل نزاع، توترًا مماثلًا، حيث سيحتاج الأمر إلى توضيح الحقيقة التي أدت إلى الفشل بشكل نهائي، تحت إشراف لجنة تحقيق رسمية.

لا تزال هناك قضايا لم تُحل بالكامل تلوح في الأفق في جميع المجالات، تشير إلى أنه كما لم تُفضِ تلك الندوات بالضرورة إلى العصف الذهني الضروري بين ضباط الاستخبارات، فإن التفكير النقدي أصبح أقل شيوعًا في أروقة مجتمع الاستخبارات لسنوات.
الشعور بـ”التفوق الاستخباراتي” الذي كان سائدًا بين السطور في عمليات صنع القرار الإسرائيلي عشية مذبحة 7 أكتوبر، والتقييم الخاطئ لنوايا حماس، كانا أيضًا من بين نفس العيوب التي اتسم بها النظام عشية حرب أكتوبر 73، وربما أيضًا التقييم (المبالغ فيه؟) لعمل “الملاك”.
هذه ليست الحالة الأولى التي يُكشف عنها في تحقيق صحفي أثار جدلاً في البداية حول استنتاجاته. ففي العام الذي نُشرت فيه الشكوك الأولية حول مسألة “الملاك”، نُشر تحقيق دقيق في قضية أخرى – انهيار مبنى قيادة الجيش الإسرائيلي في صور (1982)، والذي قُتل فيه أكثر من 90 جنديًا من الجيش الإسرائيلي وعناصر من جهاز الأمن العام (الشاباك)، والذي عُزّز على أنه عطل فني.
ويُحسب لأجهزة الاستخبارات أنها تعرف كيف تُعيد حساباتها، حيث تشكّلت كتلة حرجة مع تجدد الحاجة إلى توضيح الحقيقة.

بعد أكثر من 40 عامًا، أُعيد تشكيل لجنة مشتركة بين الوكالات للتحقيق في كارثة صور، والتي توصلت إلى استنتاجات مختلفة – كان هذا هجومًا بدأه مؤسسو حزب الله، في بداية رحلة المنظمة في لبنان.
وبالمثل، هنا أيضًا، تتقاطع جميع المسارات: كما هو الحال في ضرورة تشكيل لجنة تحقيق رسمية للتحقيق في الفشل السياسي والاستخباراتي بعمق، بما في ذلك مسألة خطة حماس للخداع عشية المجزرة، وينطبق الأمر نفسه على قضية “الملاك”. فمرور السنين لا يبرر دفن قضية لا تزال، كما اتضح، مثيرة للجدل، حتى بين كبار المسؤولين السابقين المتورطين في تعقيدات القضية.
لا يفوتك
الإخوان السوريون يباركون إتفاق الجولانى ونتنياهو
إن مجتمع الاستخبارات الاسرائيلي مدينٌ بذلك للإسرائيليين، وكذلك لعائلات ضحايا وجرحى تلك الحرب، بالآلاف. بعد عقود، وفي ظل فشلٍ آخر مماثل، حان الوقت لكشف علامات الاستفهام المُرهِقة التي حُفرت في دمائنا: في هذا الخيط الرفيع بين الملاك والشيطان، أين تكمن شخصية أشرف مروان الغامضة؟
*هل وجدتَ خطأً في المقال؟ راسلنا..
مقال عن صحيفة يديعوت أحرونوت
