جاءنا الآن
الرئيسية » مقالات و أراء » محمد صلاح يسطر: امتحان في كتم الضحك

محمد صلاح يسطر: امتحان في كتم الضحك

الكاتب الصحفي محمد صلاح

‏نقول في مصر: “هموت من الضحك”عندما يكون الموقف مضحكًا إلى درجة تجعل الإنسان يضحك حتى يشعر أن رئتيه دخلتا في إضطراب، لكن الغريب ان تمر بموقف يمكن أن يجعلك تموت لأنك لم تتمكن ان تضحك!
‏كنت قد تخرجت في كلية الإعلام، وقررت أن أزيد جرعتي الأكاديمية، فالتحقت باختبارات معهد النقد الفني، حيث يدرس الطالب السينما والمسرح والموسيقى والتصوير، من أيام الفراعنة تقريبًا إلى اليوم، يقع المعهد خلف قاعة سيد درويش في مدينة الفنون بالهرم..
‏وصلت إلى اختبار القبول، وكانت اللجنة تضم المخرج هشام سيف النصر، والناقدة نهاد صليحة، والناقد سامي السلموني، والموسيقي الدكتور مصطفى ناجي .
‏أربعة أسماء تجعل المتقدم يدخل اللجنة وهو يفكر في مستقبله المهني، ويخرج منها وهو يفكر في مستقبله كله.
‏كان يدخل أربعة متقدمين في كل مرة، وجلسنا نحن الأربعة أمام اللجنة، وأعطونا أوراقًا مقلوبة، على كل منها اسم أو عمل فني، والمطلوب أن تقلب الورقة عندما يأتي دورك وتتحدث عما فيها.
‏بدأ أول زميل.

اعرف أكثر

خسارة مصرية بالطبع: مظاهرة لتغيير إسمها كما أمر..هل تقرب “إلهان عمر” و”أفريكوم” ترامب لصومالى لاند؟

‏قلب الورقة فوجد مكتوب فيها :
‏صلاح أبو سيف.
‏فانطلق الرجل يتحدث عن المخرج الكبير بمنتهى السلاسة.
‏اطمأننت.
‏ثم جاء دور الفتاة إلى جواري.
‏قلبت الورقة.
‏الأطلال.
‏أم كلثوم، والسنباطي، وناجي.
‏بدأت تتحدث، وأنا وصديقي الذي يجلس إلى جواري بدأنا، في حركة لا تخلو من البراءة، في محاولة معرفة ما ينتظرنا.
‏رفعت طرف ورقتي قليلًا:
‏حسن شاه.
‏قلت في سري: الحمد لله.
‏أعرفها، أستطيع أن أتكلم عنها. صحفية وكاتبة، ولها أعمال سينمائية معروفة، أهمها فيلم أريد حلاً
‏ثم رفعت عيني أراقب صديقي وهو يرفع طرف ورقته، وهنا بدأت المأساة.

 

محمد صلاح يسطر: امتحان في كتم الضحك

‏كان مكتوبًا عليها:
‏أحمد الحضري.
‏أعرف أحمد الحضري طبعًا، ناقد سينمائي، ومدير نادي سينما القاهرة، واسم معروف في الوسط السينمائي.
‏لكنني أعرف أيضًا شيئًا أهم:
‏صديقي لا يعرف احمد الخضري بتاتاً!
‏وقبل أن أستوعب المصيبة، مال نحوي وسألني هامسًا:
‏ـ مين أحمد الحضري ده؟
‏انتهت حياتي الطبيعية في هذه اللحظة.
‏بدأت معركة بين عقلي ووجهي.
‏عقلي يقول: لا تضحك.
‏وجهي يقول: حاضر.
‏أما معدتي فانت قد أعلنت العصيان.
‏جاء دوري.

اعرف أكثر

الحليفة الشيعية لإسرائيل: الانفجار الديني والسياسي بعد منع الحجاب في المدارس بأذربيجان لحماية الهوية

‏بدأت أتكلم عن حسن شاه، لكنني لم أعد أرى اللجنة جيدًا،كانت الدموع تملأ عيني، ليس من التأثر بأدب حسن شاه، وإنما من مقاومة الضحك.
‏لاحظ هشام سيف النصر أنني على وشك الانهيار.
‏قال:
‏ـ مالك يا ابني؟
‏قلت:
‏ـ مفيش يا فنان… بس عاوز أكح ومكسوف.
‏قال:
‏ـ كح عادي.
‏فكحيت بافتعال بالغ
‏كانت تلك الكحة في الحقيقة ضحكة كاملة، لكنها مكتومة، مقهورة، سجينة
‏وأنا أتكلم، كنت في الوقت نفسه أنتظر اللحظة التي سيكتشف فيها صديقي أنه أمام امتحان في شخص لم يسمع به من قبل.
‏انتهيت من إجابتي.
‏وضعت يدي على بطني، وغطيت فمي بالمنديل.
‏لم أعد متقدمًا لامتحان.
‏كنت مشروع انفجار مؤجل.
‏بدأت اللجنة مع صديقي.
‏ـ إيه اللي مكتوب في ورقتك؟
‏ـ الأستاذ أحمد الحضري.
‏ـ طيب اتكلم عنه.

اعرف أكثر

خسارة مصرية بالطبع: مظاهرة لتغيير إسمها كما أمر..هل تقرب “إلهان عمر” و”أفريكوم” ترامب لصومالى لاند؟

‏سكت لحظة، ثم قال:
‏ـ الأستاذ الحضري؟ ومين أنا علشان أتكلم عن الأستاذ أحمد الحضري؟
‏عضضت على المنديل ودموعي تتناثر على سطح الطاولة
‏قال أحد أعضاء اللجنة:
‏ـ عادي… قول لنا تعرف عنه إيه؟
‏ـ أعرف إيه عنه؟ الأستاذ الحضري؟ هو فيه حد ما يعرفوش؟
‏هنا شعرت أنني لن أخرج من القاعة حيًا.
‏قال هشام سيف النصر:
‏ـ هو انت اللي بتسأل ولا إحنا؟ قول تعرف إيه عن الحضري.
‏قال صديقي، وقد دخل في منطقة الخطر:
‏ـ الأستاذ أحمد الحضري شخصية مصرية مهمة ومعروفة جدًا في مجالها.
‏ـ اللي هو إيه مجاله؟
‏ـ الحقيقة هو متعدد المواهب والمجالات.
‏وضعت رأسي على الطاولة تقريبًا.
‏ـ هي إيه المجالات دي؟
‏ـ من أهم مجالاته… مجال الفن.
‏كان يمكن أن أضحك بصوت عالٍ.
‏لكنني كنت أجلس على بعد متر واحد من أربعة من كبار المتخصصين في الفن، وكان أي صوت يصدر مني في تلك اللحظة كفيلًا بإعادة تقييم مستقبل التحاقي بالمعهد.
‏أسقطت القلم على الأرض.
‏انحنيت لألتقطه.
‏لم يكن القلم قد سقط فعلًا.
‏كنت أنا الذي سقطت.

اعرف أكثر

نتنياهو أطلق عاصفة تطاله: رئيس المخابرات المصري جاء لإسرائيل لكنه لم يلتقيه

‏اختبأت لحظات تحت الطاولة، وحاولت أن أضحك بلا صوت، بينما صديقي يواصل الإجابة التي لا إجابة فيها.
‏لاحظ صديقي حركاتي، فازداد ارتباكًا، واللجنة بدأت تفقد صبرها.
‏حتى قالت نهاد صليحة:
‏ـ إنت قرفتنا! تعرف أحمد الحضري ولا لأ؟
‏قال:
‏ـ أنا معرفهوش بشكل شخصي .
‏ـ أنا مش بسألك تعرفه شخصيًا! هو انت حتصاحبه؟ تعرفه ولا لأ؟
‏ـ لا… أول مرة أسمع عنه.

محمد صلاح يسطر: امتحان في كتم الضحك

‏وهنا وقع الانفجار
‏-الله يخرب بيتك
‏قالها هشام سيف النصر ثم ضحك
‏وضَحِكت نهاد صليحة.
‏وضحك سامي السلموني.
‏وضحك مصطفى ناجي
‏وضحك صديقي ثم قال :
‏-ايه رأيكم حلوة صح؟
‏-اطلع بره
‏نظر إليّ سامي السلاموني، وسألني وهو يشير إلى صديقي :
‏-انت تعرف الواد ده ؟
‏-ولا اعرفه ولا عمري شفته .. بس أعرف أحمد الحضري..

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *