جاءنا الآن
الرئيسية » هو و هي » دعاء فؤاد تسطر: الخروج من العلاقة التوكسيك

دعاء فؤاد تسطر: الخروج من العلاقة التوكسيك

دعاء فؤاد

فى كل عام من موسم الدراما الرمضانية يتم تسليط الضوء على بعض الحالات النفسية، وخاصة العلاقات التوكسيك، تلك العلاقات التي تبدو في ظاهرها قصة حب عادية، لكنها في العمق تحمل أنماطًا سلوكية مؤذية تُرهق الروح قبل الجسد. نتابعها على الشاشة، نتعاطف مع أبطالها، وربما لا ندرك أننا نعيش بعض ملامحها في الواقع.

على غرار كتاب لأ بطعم الفلامنكو للدكتور محمد طه، الذي تناول تعقيدات العلاقات الإنسانية وكيف يمكن للفرد أن يعبّر عن احتياجاته ومخاوفه وحقوقه النفسية، وجدتُ أن هناك مساحة أخرى تستحق التأمل… مساحة العلاقات التوكسيك، حيث يختلط الحب بالتلاعب، والاهتمام بالسيطرة، والاحتواء بالإلغاء.

العلاقة التوكسيك ليست مجرد خلافات عابرة أو سوء تفاهم طبيعي، بل هي نمط متكرر من السلوكيات المؤذية نفسيًا

في البداية، قد تبدو العلاقة التوكسيك مبهرة؛ اهتمام زائد، تعلق سريع، ووعود كبيرة. يتم إغراق الطرف الآخر بمشاعر مكثفة في فترة قصيرة لخلق ارتباط قوي وسريع. لكن مع الوقت، يتحول هذا الاندفاع إلى نقد دائم، أو تقليل من الشأن، أو صمت متعمد يُستخدم كوسيلة للعقاب والسيطرة.

الطرف التوكسيك غالبًا ما يعاني من خلل في تنظيم مشاعره، وحاجة مستمرة للهيمنة، وضعف في التعاطف. وقد يلجأ إلى إدخال أطراف أخرى لإثارة الغيرة وخلق توتر، أو يتقمص دور الضحية بشكل دائم ليتهرب من المسؤولية.

ومع استمرار هذا النمط، يدخل الطرف الآخر في حالة من الاستنزاف العاطفي، وقد تتأثر ثقته بنفسه وصورته عن ذاته، ويبدأ في فقدان قدرته على وضع حدود واضحة. وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يظن البعض أن مزيدًا من الصبر أو التضحية سيُصلح العلاقة، بينما الحقيقة أن العلاقات التوكسيك لا تتغير إلا إذا أدرك الطرف المؤذي سلوكه واعترف به وسعى بصدق إلى العلاج.

دعاء فؤاد تسطر: الخروج من العلاقة التوكسيك

وهنا يبرز دور الفن بوصفه رسالة لا مجرد وسيلة للترفيه. فحين تُسلَّط الدراما الضوء على هذه الأنماط المؤذية من العلاقات، فهي لا تقدم حكاية للتعاطف العابر، بل تفتح نافذة للوعي والمراجعة. الفن الحقيقي يُنبهنا لما قد نغفل عنه في حياتنا اليومية، ويمنحنا فرصة لنرى أنفسنا في المرآة دون أقنعة.

لذلك فإن متابعة هذه الأعمال يجب ألا تنتهي مع الحلقة الأخيرة، بل تمتد إلى تعاملاتنا على أرض الواقع؛ فنُعيد النظر في سلوكياتنا، ونراجع حدودنا، ونتعلم كيف نبني علاقات أكثر صحة واتزانًا. فالمشهد الذي يؤلمنا على الشاشة قد يكون جرس إنذار لما نقبله بصمت في حياتنا.

إذا وجدت نفسك في علاقة تجعلك تعيش في قلق دائم، أو تشعر بأنك تخشى التعبير عن رأيك، أو تتحمل اللوم باستمرار حتى فيما لا يخصك، فهذه إشارات تستحق التوقف. أول خطوة هي استعادة وعيك بنفسك: مشاعرك حقيقية، واحتياجاتك مشروعة، وحدودك حق لا يجب التنازل عنه.

الخروج من علاقة توكسيك لا يعني صدامًا أو انتقامًا، بل وعيًا هادئًا. يعني إعادة ترتيب الأولويات، ووضع حدود واضحة، وتقليل الانخراط العاطفي، والبحث عن دعم نفسي أو اجتماعي عند الحاجة. الأهم هو إعادة بناء الثقة بالنفس، والتذكير الدائم بأنك تستحق علاقة تقوم على الاحترام المتبادل، لا على التقليل والاستنزاف.

ليست كل العلاقات قابلة للإنقاذ، وبعض النجاة يكون في المغادرة لا في الاستمرار. فالعلاقة الصحية تمنحك الطمأنينة، وتدعم نموك، ولا تجعلك تفقد نفسك وأنت تحاول الحفاظ عليها.

في النهاية، العلاقات الحقيقية لا يكون طعمها مؤلمًا… بل تترك في روحك مساحة للأمان، لا للخوف، والانكسار.

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *