
دور الصحافة أن تدعم المقترحات التي تدفع المجتمع إلي الأمام، وأن تبحث في المعني والقيمة وأن تقدم الرؤية والتحليل.
النائبة أميرة صابر من أنجب وأفضل من دخلوا الحياة النيابية في السنوات العشر الأخيرة، وهي عندما تتصدي لقضية تجمع كل كبيرة وصغيرة، وقد سارت ضد سطحية المجتمع عندما طرحت قضية التبرع بالأعضاء، وخاصة أنسجة الجلد، بعد الوفاة.. وإسهاماً في النقاش تلك هي الصورة عالميا :
تُظهر البيانات العالمية المجمعة لعام 2023، والصادرة عن المرصد العالمي للتبرع وزراعة الأعضاء بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، أن أنشطة زراعة الأعضاء شهدت نموًا ملحوظًا مقارنة بالسنوات السابقة، لكنها ما زالت بعيدة عن تلبية الاحتياجات الطبية الفعلية. فقد بلغ إجمالي عمليات زراعة الأعضاء الصلبة عالميًا نحو 172,397 عملية خلال عام واحد فقط، وهو ما يمثل زيادة تقارب 9.5 في المئة مقارنة بعام 2022.
ومع ذلك، لا يغطي هذا الحجم سوى أقل من 10 في المئة من الاحتياج العالمي المقدر، في وقت تشير فيه تقديرات الخبراء إلى أن الطلب السنوي الفعلي على زراعة الأعضاء يتجاوز مليوني حالة إذا ما أُخذ في الاعتبار الفشل الكلوي المتقدم وأمراض الكبد والقلب والرئة في مراحلها النهائية.
من حيث توزيع عمليات الزراعة حسب نوع العضو، استحوذت زراعة الكلى على النصيب الأكبر بواقع 111,135 عملية، بما يمثل نحو 64 في المئة من إجمالي الزرعات الصلبة عالميًا، تلتها زراعة الكبد بنحو 41,099 عملية، ثم زراعة القلب (10,121 عملية)، والرئة (7,811 عملية)، والبنكرياس (2,054 عملية).

إضافة إلى 177 عملية زراعة أمعاء دقيقة. وعلى مستوى المعدلات السكانية، وبلغ متوسط زراعة الأعضاء عالميًا نحو 22 عملية لكل مليون نسمة، مع تفاوتات حادة بين دول تتجاوز فيها المعدلات 100 عملية لكل مليون نسمة، وأخرى لا تسجل سوى حالات متفرقة سنويًا.
وسجل التقرير تقدم 45,861 متبرعًا متوفى فعليًا على مستوى العالم لأعضاءهم، بمعدل يقارب 5.7 متبرعين لكل مليون نسمة في الدول المبلغة. وتوزع هؤلاء بين 34,466 متبرعًا وفق معيار الوفاة الدماغية (نحو 75 في المئة) و11,395 متبرعًا وفق معيار الوفاة القلبية الدورية (نحو 25 في المئة)، مع تسجيل زيادة سنوية في التبرع بعد الوفاة القلبية تقارب 10 في المئة مقارنة بعام 2022، ما يعكس توسع هذا النموذج في عدد محدود من الدول المتقدمة.
وفي المقابل، بلغ إجمالي عمليات الزراعة من متبرعين أحياء نحو 53 ألف عملية، تركزت أساسًا في زراعة الكلى (43,101 عملية) والكبد (10,081 عملية)، وهو ما يجعل التبرع الحي مسؤولًا عن نحو 39 في المئة من زراعات الكلى و25 في المئة من زراعات الكبد عالميًا.
وتكشف البيانات الخاصة بالتفاوت الجغرافي عن تركّز شديد في النشاط العالمي. فقد أبلغت 93 دولة فقط عن تنفيذ عمليات زراعة أعضاء خلال عام 2023، وهي دول تمثل نحو 75 في المئة من سكان العالم، بينما لم تسجل عشرات الدول، خصوصًا في إفريقيا، أي نشاط فعلي منتظم في هذا المجال. وعلى المستوى الإقليمي، استحوذت أوروبا والأمريكتان على أكثر من 70 في المئة من إجمالي عمليات الزرع العالمية، في حين لم تتجاوز مساهمة إقليم إفريقيا نسبة هامشية تقل عن 1 في المئة من إجمالي النشاط، وهو ما يعكس فجوة صحية بنيوية تتجاوز الاعتبارات الطبية البحتة.
أما من زاوية الخصائص الديموغرافية للمتبرعين المتوفين، فتشير الأرقام إلى أن الفئة العمرية بين 18 و59 عاما تمثل نحو 68 في المئة من المتبرعين، مقابل 27 في المئة فوق سن الستين، وهو اتجاه آخذ في الازدياد في الدول الأوروبية، حيث أصبح استخدام أعضاء كبار السن ممارسة طبية أكثر شيوعًا.

كما تُظهر البيانات تفاوتًا في النوع واضحًا، إذ يشكل الذكور نحو 64 في المئة من المتبرعين المتوفين، في حين تمثل النساء قرابة 60 في المئة من المتبرعين الأحياء بالكلى، وهو نمط يتكرر في معظم المناطق، ويعكس أبعادًا اجتماعية واقتصادية تتجاوز الإطار الطبي.
وفي ما يخص المرضى المستفيدين، سُجلت 164,176 حالة زرع لمرضى أفراد خلال عام 2023، بمعدل يقارب 20 مريضًا مزروعًا لكل مليون نسمة.
ويقل هذا الرقم عن عدد الأعضاء المزروعة بسبب إجراء عمليات متعددة الأعضاء للمريض الواحد، لا سيما في حالات القلب–الرئة أو الكلى–البنكرياس.
وتشير تقديرات المرصد إلى أن عشرات الآلاف من المرضى يبقون سنويا على قوائم الانتظار في الدول التي تمتلك نظم زرع متقدمة، مع تسجيل آلاف الوفيات سنويًا أثناء الانتظار، وهو ما يؤكد أن نقص الأعضاء لا يزال أحد الأسباب غير المباشرة للوفاة القابلة للتفادي.
وتبرز العلاقة بين مؤشر التنمية البشرية (HDI) ومعدلات التبرع والزراعة بوصفها أحد الاستنتاجات الجوهرية للتقرير. إذ تُظهر البيانات أن الدول ذات المؤشر المرتفع تسجل معدلات تبرع تتجاوز في المتوسط 20 متبرعا متوفى لكل مليون نسمة، بينما تنخفض هذه المعدلات إلى أقل من 1 متبرع لكل مليون نسمة في الدول ذات المؤشر المنخفض.

ويعكس ذلك أن زراعة الأعضاء ليست مسألة طبية فحسب، بل نتاج منظومة متكاملة تشمل قوة النظام الصحي، والإطار التشريعي، والحوكمة، ومستوى الثقة المجتمعية في المؤسسات الطبية.
هذه الحقائق والأرقام تدل أن التقدم المسجل في زراعة الأعضاء عالميا حقيقي من حيث الاتجاه، لكنه غير كافٍ من حيث الحجم والعدالة. فالتحدي لم يعد تقنيا فقط، بل أصبح سياساتيًا وتنمويًا وأخلاقيًا بالدرجة الأولى.
وسد فجوة الاحتياج العالمي يتطلب استثمارات طويلة الأمد في الأنظمة الصحية، وبناء أطر قانونية شفافة، وتعزيز الحوكمة والرقابة، إلى جانب سياسات عامة تعزز الثقة المجتمعية وتضمن عدالة الوصول إلى زراعة الأعضاء بوصفها حقا صحيا أساسيًا لا امتيازا جغرافيا أو اقتصاديا.
