
سلامة عبد الفتاح
في زمن تتزاحم فيه الأصوات، وتعلو فيه هتافات الملاعب، ويصفق فيه للفن والنجومية، يختلط الميزان عند كثير من الناس، فيحسبون أن رفعة الأوطان تقاس بعدد البطولات، أو بصور ترفع في المحافل العابرة.
بينما تغيب الحقيقة الكبرى: أن الأمم لا تنهض إلا بالعلم، ولا تحفظ مكانتها إلا بالعقول، ولا تخلد إسمها إلا بسواعد العلماء ونقاء الأخلاق.
لقد عرف التاريخ مصر منارة للعلم قبل أن يعرفها ملعبا أو مسرحا، وعرفت بين الأمم بمدارسها، وعلمائها، ونوابغها الذين حملوا مشاعل المعرفة في أشد عصور الظلام. ولم يكن ذلك ترفا فكريا، بل كان سر قوتها وبقائها. فالعلم هو الذي يصنع القرار، ويحمي الاستقلال، ويبني الاقتصاد، ويرسم ملامح المستقبل، أما اللهو مهما علا صوته فسرعان ما يخبو أثره.

إن الرياضة والفن والسينما مجالات إنسانية تنقلب في كثير من الأحيان إلى أداة تعصب وفرقة، وتغذية لصراعات وهمية بين الشعوب، خصوصا حين تفقد الأخلاق، ويغيب الوعي، ويغلب الانفعال على العقل.
وقد رأينا نموذجا مؤلما لما تجره كرة القدم من إساءات، فيما حدث في مباراة نيجيريا ومصر على أرض المغرب الشقيق، من ازدراء للنشيد الوطني المصري، وهو مشهد مهين لا يليق، ودليل واضح على إن كرة القدم لا ترفع الشعوب، ولا تبني حضارات، ولا تصنع احتراما بين الأمم.
فأي وطن هذا الذي يفرح لهدف وينسى معملا علميا مغلقا، أو يهلل لمباراة وينسى عالما مهمشا؟
لقد ربط الإسلام بين رفعة الإنسان وقيمة العلم ربطا لا انفصام له، فجعل العلم عبادة، وطلبه فريضة، وأهله في منزلة سامية، فقال الله تعالى (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ). وجعل سبحانه العلم طريقا للخشية الحقة، لا للمظاهر الزائفة، فقال (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ).

وجاءت السنة النبوية لتؤكد هذا المعنى، وترسخ في الوجدان أن بناء الإنسان مقدم على كل بناء، فقال النبي صلي الله عليه وسلم (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ). فالعلم ليس زينة، بل طريق نجاة، وليس ترفا، بل ضرورة وجود.
إن مصر تملك كنوزا حقيقية لا تقدر بثمن، علماء في المعامل، ونوابغ في الجامعات، وعقولا لامعة في الداخل والخارج، لكنها تحتاج الى من يؤمن بها، ويرفعها، ويضعها في موضعها الصحيح. فالدول العظمى لم تبلغ مكانتها بضجيج الجماهير، بل بصمت المعامل، ولم تصنع نفوذها بالهتاف، بل بالبحث، والتخطيط، واحترام العقل.
إن النهضة الحقيقية تبدأ من التعليم، وتستقر بالأخلاق، وتستمر بتقدير العلماء، وحين تعود البوصلة إلى اتجاهها الصحيح، ويقدم العقل على الانفعال، والعلم على اللهو، عندها فقط يرفع علم مصر بحق، في الداخل والخارج، وتستعيد مكانتها التي تليق بتاريخها ورسالتها.
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد صلي الله عليه وسلم.
