
حازم كاديكى
كان يمكن لكل شيء أن يستمر كما اعتاده محمد صلاح طيلة سنواته في ليفربول لكن الحكايات الكبيرة لا تُكمِل دورتها بسلاسة بل تنحرف فجأة كما تنحرف النهر حين يبدّل مجراه دون إنذار لم يكن المشهد مفاجئًا في ظاهره بل كان يتشكل ببطء كما يتشكل شرخ خافت في جدار قديم شرخ لا يُرى في البداية لكنه يصبح فجوة حين يتراكم الصمت حوله شعر صلاح بهذا الشرخ قبل غيره شعر به في تلك اللحظات التي لا يلحظها الجمهور حين يدخل إلى غرفة الملابس فيجد أن الهواء نفسه لم يعد كما كان كأنه تغيّر دون أن يعلن أحد هذا التغيير.
كانت البداية حين جلس للمرة الأولى على مقاعد البدلاء لم يحتج الأمر أكثر من نظرة واحدة ليفهم أن شيئًا ما تبدّل في ترتيب الأولويات داخل النادي لم يشعر بالإهانة من الجلوس فهو يعرف أن كرة القدم لا تمنح أحدًا امتيازات دائمة لكن طريقة الجلوس توقيته صمته المفروض كلها جعلته يلتقط خيطًا رفيعًا من الخيبة وفي المباراة الثانية شدّ الخيط أكثر وفي الثالثة شعر بأن الخيط لم يعد خيطًا بل حبلًا يلتفّ حول حضوره في الفريق وكأنه محاولة متعمّدة لانتزاعه من مكانه دون أن يُقال له ذلك صراحة.
ثم جاءت ليلة ليدز ، الليلة التي تغيّر بعدها كل شيء كان الفريق يتقدم ويتراجع ينهض ويهتز بينما هو جالس على المقعد يتابع ما يحدث بعينين لا تشبهان عينيه في السنوات الماضية
كانت المباراة أشبه بصفحة تمزّق نفسها أمامه وإحساسه يشبه إحساس الغريب الذي يرى بيته يُعاد ترتيبه دون إذنه وعندما انتهت المباراة لم يجد مكانًا للصبر في داخله خرج إلى الإعلام وقال ما لم يجرؤ على قوله من قبل هناك من يريد إبعادي قالها بوضوح خالٍ من الالتفاف بصدق الرجل الذي ضاق صدره من الصمت وقال أيضًا إنه وُضع في موضع لم يعتده منذ عرف كرة القدم وإن وضعه خارج التشكيلة لم يحدث له قط بطريقة مشابهة.
كانت كلماته أثقل من أن تُمرّ مرورًا عابرًا وأعمق من أن تُعتبر لحظة غضب كانت إعلانًا غير مباشر بأن العلاقة بينه وبين المدير الفني آرني سلوت لم تعُد علاقة عمل بل أصبحت مسافة باردة تُخفي وراءها ما هو أكثر من قرارات فنية كان صلاح يعرف أن الجمهور سيستيقظ على هذه الكلمات وأن الصحف ستتناقلها كما يتناقل الناس خبرًا صادمًا لكنه لم يعد يهتم فضّل أن يقول الحقيقة بدل أن يترك الآخرين يضعونها على ألسنتهم.

قال إن الوعود التي تلقاها تبخرت وإن التعامل معه تغيّر فجأة وإنه شعر كما لو أن النادي يحاول أن يحمّله تبعات التراجع لم يقل إنه أكبر من الفريق ولا إنه فوق النقد لكنه رفض الظلم رفض أن يصبح سهلاً في لعبة الاتهامات كان يعرف أن الناس قد تقرأ كلامه بطريقتها وأن هناك من سيستغل اللحظة ليقوّض مكانته لكنه كان واثقًا أن الحقيقة تُقال مرة واحدة ومن يملك الشجاعة لقولها لا يحتاج لشرح إضافي.
منذ تلك اللحظة انفجرت الدائرة الإعلامية حوله بدأ البعض يصفه بأنه لم يعد يقبل التغيير وبأنه يشعر بأنه في موقع أعلى من الجميع لكن هؤلاء تناسوا أن الرجل الذي يتحدث هو نفسه الذي حمل الفريق في فترات ظلام كاملة وأنه لم يهرب من المسؤولية يومًا ربما لم يفهموا أن جلوس لاعب كبير على المقعد ليس حدثًا لكن الطريقة التي يُدار بها هذا الجلوس هي الحدث ليس القرار هو ما جرحه بل الأسلوب تلك الطريقة التي تقلب اللاعب من ركيزة أساسية إلى عنصر ثانوي دون تفسير مقنع.
ثم جاءت اللحظة التي أكدت كل ما كان يشعر به حين أعلن سلوت أن الأمر يتعلق بالسيطرة على المباراة وأن الفريق لم يكن بحاجة إلى هدف لم يكن صلاح بحاجة إلى سماع تفسير كهذا ليعرف أن العلاقة وصلت إلى حافة لا رجعة فيها كانت تلك الجملة كافية لأن تُشعر أي لاعب أنه لم يعد جزءًا من البناء بل ضيفًا ثقيلًا على خطة لا تريده.
ومن هنا بدأت السيناريوهات صار اسمه يُتداول بين الأندية كما يُتداول خبر كبير ينتظر اللحظة المناسبة للانفجار لم يعد السؤال هل يرحل بل إلى أين يرحل
كانت تركيا أول من اقترب وتحديدًا غلطة سراي النادي الذي استقبله جماهيره ذات ليلة بطريقة جعلته يشعر بأن الصدارة لا تحتاج إلى بطولات فقط بل إلى قلوب تعرف قيمة اللاعب حين يمر أمامها النادي التركي تقدم بخطوات جادة وكأنه يرى في صلاح فرصة لصناعة حكاية جديدة حكاية تبدأ بعناق جماهيري وتنتهي بصوت لا يخفت.

وفي الضفة الأخرى من الكرة الأرضية ظهر مشروع سان دييغو مشروع أمريكي طموح يرى في صلاح ليس مجرد لاعب بل حجر الأساس لفريق يبنى من الصفر مدينة جديدة فكرة جديدة فرصة لبداية مختلفة لا تحمل أثقال أوروبا ليس ابتعادًا عن التحدي بل انتقالًا إلى مساحة يستطيع فيها أن يعيد ضبط ملامحه الكروية دون أن يعيش تحت ظل المقارنات اليومية.
أما السعودية التي كانت قبل عام الوجهة الأكثر لمعانًا فقد صار حضورها أقل حرارة وصارت الأندية هناك أقل اندفاعًا مما كانت وكأن الموجة التي اشتعلت قبل عام هدأت دون أن تنطفئ ومع ذلك بقي الاحتمال قائمًا لكنه ليس في المقدمة كما كان.
أوروبا نفسها بدت كأنها تراقبه من بعيد تعرف قيمته لكنها لا تملك القدرة على التحرك الآن باريس مكتمل برشلونة مثقل بايرن متردد وتشيلسي لا يريد إحياء صراعات الماضي أما فكرة انتقاله لخصم من داخل إنجلترا فهي فكرة جريئة إلى حد التوتر فكرة يعرف صلاح تمامًا أنها قد تغيّر شكل العلاقة بينه وبين جمهور ليفربول إلى الأبد ولهذا لم يقترب منها.
وسط كل هذا حدث شيء صغير لكنه عميق في دلالته حين طلب من والدته أن تحضر مباراة برايتون قال لها إنه لا يعرف إن كان سيلعب أم لا لكنه يريدها أن تكون هناك كلمات بسيطة لكنها تشبه الهمس الأخير قبل اتخاذ قرار كبير لم يكن يتحدث عن مباراة كان يتحدث عن شعور داخلي يريد مشاركته مع أقرب الناس إليه كان يعرف في تلك اللحظة أن أوراقه في ليفربول بدأت تقترب من آخر صفحة.
والحقيقة أن رحيل صلاح إن حدث لن يكون مجرد انتقال لاعب من نادٍ إلى آخر سيكون خروجًا من حكاية كاملة عاش تفاصيلها يومًا بعد يوم بنى فيها اسمه وصنع فيها أسطورته سيكون نهاية فصل طويل لكنه ليس النهاية الحقيقية لشغفه ولا لمكانته فالرجل الذي يعرف كيف يصنع نفسه قادر على أن يكتب سطرًا جديدًا أينما ذهب ومع أي فريق يختار.
صلاح لم يرحل بعد لكن القصة أوحت بنهايتها ليس لأنه لم يعد قادرًا على العطاء بل لأن النادي الذي كان يراه مركزًا في لوحة نجاحه لم يعد يرى فيه ما رآه الناس طوال سنوات ليفربول خسر معه ما هو أعمق من الأهداف خسر توازنه في التعامل مع رموزه وخسارة الرموز دائمًا أصعب من خسارة أي مباراة.
وقد يأتي اليوم الذي ينظر فيه النادي إلى الخلف ويتساءل كيف سمح لنفسه بأن يهدر علاقة كتبتها السنوات والإنجازات والعرق كيف ترك مسافة تتسع بينه وبين لاعبه الأهم حتى وصلت إلى هذا الحد.
ومهما كانت الوجهة القادمة سواء إلى إسطنبول التي تهتف بلا توقف أو إلى سان دييغو التي تريد أن تولد من جديد أو حتى إلى خيار ثالث لم يظهر بعد سيظل صلاح قادرًا على أن يقف في مكانه الجديد ويقول أنا لم أسقط أنا فقط انتقلت إلى فصل آخر.
فالحكايات الكبيرة لا تُطوى بل تعيد تشكيل نفسها والنجم الذي يُحسن كتابة البدايات لن يعجز يومًا عن كتابة بداية جديدة أكثر توهجًا من كل ما مضى.
✍️حازم الكاديكي
