
فى زمنٍ لم يعد فيه الخبر خبراً، ولا المعلومة معلومة، صار “التريند” – أى الحدث المتصدر لاهتمامات الرأى العام- هو البوصلة، والهدف الذى أصبح – للأسف – شرف المهنة الجديد وحلمها الأثير.
ولذلك لم يعد السؤال: هل ما يُقال صحيح؟ بل: هل سيُشعل وسائل التواصل الاجتماعى؟ هل سيستفز جمهور المتابعين ؟ هل سيقسم الناس؟ عند هذه النقطة تحديدًا ، تبتسم بعض الشاشات، وتفتح الكاميرات، ويبدأ العرض المسرحى الهزلى!.
فما حدث أخيرًا على فضائية”القاهرة والناس” فى برنامج “حديث القاهرة” مع هند الضاوي، لم يكن مجرد زلة لسان عابرة، ولا خطئًا معلوماتيًا يمكن تداركه بالاعتذار، بل نموذجًا صارخًا لكيفية تحويل الإعلام من مساحة للتنوير إلى ساحة اعداد المجتمع للاشتعال السريع من خلال خبر مثير ومهيج للفتنة الطائفية، يُلقى فى الهواء بلا تدقيق وبلا حساسية.
وكأن الحديث عن الوحدة الوطنية تفصيلة هامشية لا تستحق عناء التفكير والتدبر قبل الضغط على زر “بث”!.
لا أحد يستطيع أن يعى لماذا تستهدف مذيعة فى قناة مصرية التحريض -بطريق غير مباشر- ضد الأقباط المسيحيون، بالتلميح بان هناك تدريب 100 الف مسيحى “إنجيلي” صهيوني فى أمريكا ليكونوا سفراء لتحسين وجه إسرائيل الدموي، مع ملاحظة أن غالبية شعبنا -خاصة فى القرى والنجوع والمحافظات المهمشة- لا يفرق بين مسيحيي الداخل والخارج ولا بين طوائفهم المتعددة المختلفة، فجميعهم فى سلة اتهام واحدة ! وكله عند العرب “صابون”!
ثم تأتى الطامة الأخرى عندما تحدثت المذيعة “المبدعة” عن “كتابة “سفر إشعياء” فى القرن الخامس عشر الميلادى»!
ونحن هنا لا نتحدث عن رأى، بل عن معلومة تاريخية خاطئة إلى حد يثير الدهشة، فالسفر المعروف لدى الدارسين، تعود كتابته إلى قرون سابقة على ميلاد المسيح.
حتى أن الثابت كما جاء بإنجيل لوقا (الاصحاح 4 :16-21): “وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ حَيْثُ كَانَ قَدْ تَرَبَّى. وَدَخَلَ الْمَجْمَعَ حَسَبَ عَادَتِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَامَ لِيَقْرَأَ، فَدُفِعَ إِلَيْهِ سِفْرُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ. وَلَمَّا فَتَحَ السِّفْرَ وَجَدَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ مَكْتُوبًا فِيهِ: «رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ». ثُمَّ طَوَى السِّفْرَ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْخَادِمِ……..”.
اعرف أكثر
النائبة نادية هنرى تسطر: حين تُصنَع الفتنة..ليس تهويلا بل قراءة سياسية
هو ما يؤكد أن السيد المسيح قرأ أجزاء من السفر ! لكن من يهتم؟ فالدقة التاريخية لا تصنع “تريندًا”، بينما الخوض فى الأديان، والتلاعب بالموروث الدينى- التاريخى، كفيلان برفع نسب المشاهدة!.
اللافت أن هذه النوعية من “الأخبار” تُقدَّم بثقة مذهلة..لا مصادر، لا متخصصين، لا مراجعة تحريرية، فقط سباق محموم مع الزمن على من يشعل الترند أولاً ومن يحصد التفاعل أكثر، ليتحول الجهل تلقائيًا أمام الكاميرا إلى حقيقة.
المفارقة المؤلمة أن هذا يحدث على شاشة تحمل اسم العاصمة، فالإعلام فى لحظات كهذه، لا يخطئ فقط، بل يخون دوره الأساسى فى حماية المجتمع من الانقسام، لا المساهمة فى تعميقه.
إن الذى أتى بهند الضاوى خلفًا لابراهيم عيسى – الصحفى القدير والإعلامى المتميز مهما اختلفنا معه- على فضائية كنا نعيش معها حلم مصر الجميلة المستنيرة، لا يعى ولا يدرك معنى الموائمة السياسية والحصافة الإعلامية فى ظرف صعب وأوضاع داخلية وخارجية معقدة.
لسنا ضد النقد، ولا ضد النقاش التاريخى، لكننا ضد العبث..ضد تحويل قضايا حساسة إلى فقرات مثيرة وضد استخدام الجهل كوقود للتريند، فالوطن ليس “هاشتاج”، والوحدة الوطنية ليست مادة لرفع نسب المشاهدة.
ربما آن الآوان أن نعيد السؤال: هل نريد إعلامًا يصنع الوعى، أم إعلامًا يصنع الضجيج والغضب فى الصدور؟ لأن الفرق بين الاثنين هو الفرق بين وطنٍ يقف على أرض صلبة، وآخر يتراقص على حافة الفتنة بحثًا عن تريند جديد على شرفه!
المقالات مساحة خاصة بأصحابها، وليس بالتبعية أن تتوافق آراءها مع السياسة التحريرية لموقعنا
