جاءنا الآن
الرئيسية » التحليل اللحظي » يوسف إدوارد يسطر: سر المسيح في خطابات نتنياهو

يوسف إدوارد يسطر: سر المسيح في خطابات نتنياهو

يوسف إدوارد

فى أزمنة الصراع، لا تُستخدم الكلمات لوصف الواقع، بل لإعادة فرض تعريفه داخل وعى الجمهور. فالتصريحات السياسية لا تنقل ما يحدث بقدر ما تسعى لإعادة تشكيل فهمه وتوجيهه.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن التعامل مع ما صدر عن بنيامين نتنياهو باعتباره تعبيرًا عابرًا، بل كجزء من خطاب محسوب، يسعى إلى ترتيب المعانى قبل تبرير الوقائع.

اعرف أكثر

د. عبدالله رشاد العباسي يسطر: ما حقيقة الدعاء الذي أثار الجدل؟!

إن استدعاء السيد المسيح فى سياق حرب لا يُقرأ بوصفه إحالة دينية، بل بوصفه توظيفًا سياسيًا لدلالة أخلاقية خالصة. فالسيد المسيح، فى جوهر رسالته، لم يكن جزءًا من صراع على السلطة، بل تجسيدًا لقيم تتجاوزها: المحبة، والغفران، والقدرة على كسر دائرة العنف لا تغذيتها.

غير أن الخطاب السياسى، حين يضيق بأزماته الأخلاقية، لا يبحث عن الحقيقة، بل عن غطاء لها. هنا، لا يتم استحضار الرموز كما هى، بل كما يجب أن تظهر ضمن الرواية المراد تمريرها. فيُحوّل المعنى ويُفرغ الرمز من سياقه، ليصبح أداة فى معركة لا تشبهه.

يوسف إدوارد يسطر: سر المسيح في خطابات نتنياهو

وتبلغ المفارقة ذروتها حين يُوضع هذا الرمز فى سياق مقارنات تستدعى دلالات القوة والعنف، كما فى استحضار رمزية جنكيز خان. هذا التشبيه ليس زلة، بل رسالة: يمكن إعادة تعريف الخير، بحيث يرتدى ملامح القوة، حتى لو كانت قائمة على القهر.

فى هذا الإطار، يتشكل الخطاب الدموى الصريح، حيث يُقدَّم الصراع بوصفه مواجهة وجودية مع “شر مطلق”. ضمن هذا التصور، لا يعود هناك مجال للتعقيد أو الفهم، بل فقط للإدانة والاستئصال. وهنا، لا يُبرَّر العنف فقط، بل يُعاد تقديمه كخيار عقلانى، بل وضرورى.

اعرف أكثر

وسط قلق جيران إسرائيل: وكالة الطاقة الذرية تؤكد عدم رصد مستويات غير طبيعية للإشعاع بديمونا

لكن هذا المستوى من الخطاب، رغم حدّته، ليس الأكثر تأثيرًا. فإلى جواره يتحرك خطاب آخر، أكثر هدوءًا وأعمق تأثيرًا: خطاب السلحفاة. لا يفرض نفسه بالقوة، بل يتسلل عبر الزمن. لا يصدم، بل يُدرّب الوعى على التكيف.

يقوم هذا الخطاب على مبدأ بسيط: تخفيف الصدمة، تكرار الفكرة، وإعادة تقديمها فى صور أقل حدة. مع كل تكرار، تفقد الفكرة جزءًا من غرابتها، حتى تصبح مقبولة تدريجيًا، ومن مقبولة إلى مألوفة، ثم إلى أمر لا يثير التساؤل.

يوسف إدوارد يسطر: سر المسيح في خطابات نتنياهو

ومن هنا، يصبح خطاب السلحفاة أحد أخطر أشكال التطبيع، لا لأنه يفرض القبول، بل لأنه يضعف المقاومة. لا يطلب منك أن تغيّر موقفك دفعة واحدة، بل أن تؤجل اعتراضك، حتى يتآكل مع الوقت.

فى هذا السياق، لا يكون استدعاء السيد المسيح إلى ساحة الحرب مجرد إساءة دينية، بل خطوة ضمن مسار يعيد ترتيب القيم نفسها. حين يُعاد توظيف رمز أخلاقى بهذا الصفاء، يُفتح الباب أمام إعادة تعريف ما هو أخلاقى من الأساس.

تكمن الخطورة فى أن هذه العملية لا تحدث فجأة، بل عبر تراكم بطيء. فالمجتمعات لا تفقد حساسيتها دفعة واحدة، بل عبر اعتياد تدريجى على ما كان يثير رفضها. ومع الوقت، لا يتغير الواقع فقط، بل يتغير مقياس الحكم عليه.

اعرف أكثر 

“المس المصري”:هيئة تحرير وكالة الأنباء المصرية|إندكس تفتح نقاشا حول السر الكامن في أم أبيها

فى مصر والعالم العربى، لا يُستقبل هذا الخطاب فى فراغ. هناك وعى متجذر عبر تاريخ طويل، يميز بين القيم كمرجع والدين كأداة، ويقيّم كل محاولة لإعادة تشكيل ما كان ثابتًا. هذا الوعى ليس مجرد رد فعل، بل حصانة معرفية وثقافية تُمكّن المواطن من قراءة المعنى الحقيقى خلف كل خطاب.

فى النهاية، لا تُختبر السياسة وحدها… بل تُختبر وعى الإنسان، وقدرته على الحفاظ على ما يعرفه صوابًا، ضد تراكم الخطاب الذى يحاول إعادة تشكيله.

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *