وحدة مراكز الدراسات والأبحاث
أصدر المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية والتدريب برئاسة د. سعيد الصباغ، ورقة بحثية غير تقليدية حول مشروع إسرائيل الكبري الصهيوني، بعد الترويج المستحدث لها في ظل الحديث الإسرائيلي عن التغييرات الجيوسياسية بالمنطقة.
ووفق الباحث أحمد الشاذلى فإسرائيل الكبرى عنوان لسردية امبريالية مقدسة في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، وإطار نظري لمشروع تعمل عليه إسرائيل بأدوات مختلفة وآليات متنوعة منذ إنشائها على الأراضي الفلسطينية، عام 1948م، حتى اليوم.
فها هو رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» يستدعي «إسرائيل الكبرى» في 23 أغسطس 2025م، خلال مقابلة له على قناة ««i24العبرية، مع المحاور «شارون غال» والعضو السابق بالكنسيت عن الحزب اليميني «إسرائيل بيتنا».
والحقيقية أن هذه ليست المرة الأولى التي يُعلن فيها مسؤول على هذا المستوى، وبشكل مباشر أهداف إسرائيل التوسعية، وإنما سبقه آخرون، فقد سبق وأعلن «بتسلئيل سموتريتش» وزير المالية اليميني المتطرف، في مارس عام 2023 م، أنه «لا وجود لدولة فلسطينية» داعيا إلى وصول حدود إسرائيل إلى العاصمة السورية دمشق).

كما صرح عدد من أعضاء الكنسيت تصريحات تعكس هذه النوايا التوسعية. ناهيك عن القوانين والقرارات التي أصدرتها الحكومات اليمينية المتعاقبة حول ضم، أو التوسع في بناء المستوطنات
الوعد الإمبريالي المقدس:
ويجسد مفهوم «إسرائيل الكبرى» كل مفاهيم الامبريالية، عبر منح التوسع جيوسياسي مبرر ديني جاء من تأويل «الوعد الإلهي» لنبي الله إبراهيم وذريته «فِي ذلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلاً: “لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ» لتتعالى المزاعم بأحقية بني إسرائيل، من نسل أسباط نبي الله يعقوب وأبناءهم، في ذلك الوعد، باعتبارهم نسل نبي الله إبراهيم، متجاهلة نصيب نبي الله إسماعيل وذريته في هذا الوعد المقدس.، الذي نُقل، وفق تأويلهم، مع النبوة من إبراهيم إلى إسحاق ومن ثم يعقوب عليهم السلام.
اعرف أكثر
إندكس ترصد العواقب التى تتوقعها إسرائيل بعد تسونامى الاعترافات بالدولة الفلسطينية ومواجهتها
وعلى الرغم من هذا، تعددت تفسيرات الطوائف اليهودية لحدود «الوعد» الجغرافية، إذ ترى بعض التفسيرات التقليدية أن «نهر مصر» يُقصد به «نهر النيل» يرى البعض الآخر، منهم «أبرهام بن عزرا» أن النهر المقصود هو «وادي العريش» بسيناء، وليس نهر النيل.

أما المفهوم الجيوسياسي لـ «إسرائيل الكبرى» فيشير إلى تلك الرقعة من الأرض التي تحدها من الشمال جنوب تركيا، ومن الجنوب المملكة العربية السعودية، ومن الشرق نهر الفرات، ومن الغرب نهر النيل، بما عليها من مدن ودول عربية كاملة، فتمتد من شرق دلتا النيل شمالا، حتى حلايب وشلاتين جنوب مصر، ومعها مناطق شاسعة من السعودية تضم الجوف وتبوك، وأجزاء من المدينة المنورة وحائل والحدود الشمالية. وصولا إلى كل المحافظات العراقية والسورية الواقعة غرب الفرات، ناهيك عن كل اراض الكويت والأردن ولبنان وفلسطين.
وبذلك فإن «إسرائيل الكبرى» عبارة عن مفهوم للتوسع المقدس، اعتمادا على عاملين، الأول مرجعية دينية تضفي القداسة على أطماع إسرائيل التوسعية، والثاني رغبتها في توسع عمقها الإستراتيجي الذي تفقده.
كما أشار الشاذلى تحت عنوان إثارة المنازعات الاثنية، إلى أن إسرائيل تستخدم مسألة التنوع الاثني بالمجتمعات العربية لتحقيق أهدافها دون تدخل عسكري مباشر، وقد حرصت من وراء ذلك على الترويج لسياستها الدفاعية، وأنها لا تلجأ إليها إلا حفاظا على كيانها وأمنها القومي. في إطار «استراتيجية شد الأطراف وتفكيك المركز» التي بلورها مفكرون إسرائيليون من أمثال «ديفيد بن غوريون» و«أوديد إينون» وسار على نهجها وفي تطبيقها «موشيه ديان» و«آرييل شارون» وأخيرًا «بنيامين نتنياهو».

وترتكز هذه الاستراتيجية على محورين، مفاد الأول أن مواجهة الدول العربية المتماسكة أمر يصعب تحقيقه، ومن ثم يجب على إسرائيل التقارب مع القوى المحيطة بها مثل إيران الشاه وتركيا وإثيوبيا لضمان تطويق الدول العربية. وعلى الرغم من تراجع أهمية هذا المحور؛ نتيجة التحولات الجيوسياسية، إلا أنها لاتزال تحتفظ بعلاقات مع تركيا وإثيوبيا، بينما تحرص على إقامة شراكات استراتيجية مع قبرص واليونان وأذربيجان، في محاولة لإعادة تفعيل هذا المحور من جديد.
لا يفوتك
أما المحور الثاني فيتمثل في محاول استغلال التنوع الإثني في إثارة التناقضات الداخلية بالدول العربية تمهيدا لتفكيكها. وجرها إلى صراعات داخلية وحروب أهلية، عندها تقوم بدعم الأقليات ضد الحكومة المركزية بالمال والسلاح؛ لتعميق الخلافات على نحو يصعب احتوائها، مما يُفضي في النهاية إلى ظهور حركات انفصالية تطالب بالانفصال عن الحكومة المركزية.
واستنادا إلى الاستراتيجية، تمكنت من استمالة جنوب السودان قبل انفصاله عن السودان، ودعمته لوجستيًا في مواجهة الجيش السوداني، مما أدى في النهاية إلى إعلان استقلال جنوب السودان في يناير عام 2011م. كما استغلت الصراع الذي نشب في محافظة السويداء السورية في يوليو الماضي بين الدروز وعشائر البدو؛ للتدخل عسكريًا، وادعت أنه كان نابعًا من مسؤوليتها تجاه حماية الأقلية الدرزية.

وكان هذا التدخل في حقيقته محاولة لتأجيج الخلاف، وعلى الرغم من أن فكرة انفصال السويداء عن دمشق غير مقبولة بين عدد كبير من أبناء المحافظة، إلا أن قيام البعض برفع العلم الإسرائيلي داخل المحافظة، والمطالبة بالانفصال، يكشف لنا مسعي إسرائيلي آخر لإدارة الصراع في محافظة السويداء لصالحها.
أما عن سلاح منصات التواصل، فتحرص إسرائيل على الاستخدام الأمثل لها لصالحها، وفق تقدير الشاذلى، لتعزيز دورها، وتحسين صورتها لدى العرب، خاصة بين الشباب، بوصفه الأكثر استخداما لها.
لنشر سرديات مخالفة للواقع، وفي بعض الأحيان يستشهدون بآيات من القرآن الكريم مع تأويلها على نحو يدعم مواقف إسرائيل العدوانية.
