
ثمة صور تمرّ على الشاشات مروراً عابراً، لكنها تخفي خلفها ما يستحق التوقف والتأمل.
إنتشرت على “السوشيال ميديا” صورة لإعلامي يحتضن ابنته في فعالية “ببيت فاطم” رفعت شعارًا عاطفيًا جذابًا عن الأبوة والحنان.
في ظاهر المشهد دفء أسري بسيط، ورسالة تبدو إنسانية خفيفة الظل.
ولا يصح أن يُدان الرجل لمجرد مشاركته، فربما ظن أن الأمر لا يتجاوز دعوة بريئة لتقوية الروابط داخل الأسرة،
وأنه يقدم نموذجاً إيجابياً لأب يعبر عن مشاعره بلا تكلف.
لكن القصة لا تتوقف عند حدود الصورة.

حين نتأمل السياق الذي خرجت منه المبادرة، وحين نقرأ العبارات المكتوبة بعناية على الجدران، تتكشف لنا طبقات أعمق من الرسالة.
الشعار العريض يسأل: هل احتضنت ابنتك اليوم؟ سؤال يبدو بديهياً في بيئة تعاني أصلًا من جفاف عاطفي داخل بعض البيوت.
غير أن التفاصيل الصغيرة حوله هي التي تثير الانتباه، فالقائمة لا تقتصر على المحارم من أهل البيت، بل تمتد لتدرج في المنتصف علاقة لا يجيزها الشرع ولا تقبلها الأعراف المستقرة.
هنا يتبدّى الفرق بين العاطفة كقيمة أسرية، وبين استخدامها كجسرٍ لتمرير ما لا يُقبل تمريره صراحة.
الأسرة في ثقافتنا ليست مجرد إطار اجتماعي، بل هي سياج أخلاقي يحفظ التوازن بين الفطرة والانضباط.
الحضن داخلها معنى عميق: أمان، واحتواء، وطمأنينة.

لكنه حين يُنقل خارج سياقه المشروع ويُقدَّم في ثوب “التحرر” و”التلقائية”، يتحول من رمز دفء إلى أداة تطبيع لسلوكيات ملتبسة.
المشكلة لا تكمن في الحنان، ولا في التعبير عن المشاعر، بل في الخلط المقصود بين ما هو مشروع وما هو مرفوض، وبين ما هو حقّ طبيعي داخل دوائر القرابة، وما هو تجاوز لحدود واضحة رسّختها الأديان والأعراف معًا.
حين تُوضع العلاقة غير المشروعة في صفّ واحد مع الأم والأخت والزوجة، يُصبح الأمر رسالة ضمنية تقول إن كل تلك الحدود قابلة لإعادة التعريف.
وهنا مكمن الخطورة.
الشباب اليوم يعيشون في بيئة إعلامية طاغية، تُعيد تشكيل المفاهيم بسرعة غير مسبوقة.

كلمة واحدة، صورة واحدة، كفيلة بأن تُحدث إزاحة في المعايير. فإذا قُدِّم السلوك تحت لافتة إنسانية جذابة، فقد يغيب عن البعض السؤال الجوهري: ما الذي نُرسخه حقًا؟ وما الذي نُعيد تعريفه؟
ليس خافيًا أن بعض الكيانات الثقافية ترفع شعارات براقة عن “تحرير المرأة” و”كسر القيود”. لكن السؤال العادل الذي يجب طرحه: تحريرها إلى أين؟ ومن ماذا؟ وهل يكون صون الكرامة بمحو الحدود أم بتثبيتها؟ وهل الكرامة تُبنى بإذابة الفوارق بين العلاقات المشروعة وغير المشروعة، أم بحمايتها من التسييل الأخلاقي؟
الدين .. مهما اختلف الناس في درجة التزامهم به، وضع منظومة واضحة تحمي المرأة والرجل معًا. ليست القضية تشدداً أو تضييقاً بقدر ما هي ضبطٌ لعلاقات إنسانية شديدة الحساسية.
في غياب هذا الضبط، تتحول الشعارات إلى ممرات رخوة، وتتحول المبادرات “اللطيفة” إلى منصات لإعادة صياغة القيم على نحو تدريجي وناعم.

إن أخطر ما في بعض الظواهر المعاصرة ليس صخبها، بل هدوؤها. لا تأتيك في صورة تحدٍ صريح، بل في هيئة دعوة عاطفية بريئة.
تبدأ بسؤال بسيط، ثم تُعيد ترتيب المفاهيم في وعي الأجيال.
ومن هنا وجب التنبيه لا إلى الأشخاص، بل إلى الأفكار. فالأشخاص يخطئون ويصيبون، أما الأفكار فإما أن تُبنى عليها مجتمعات مستقرة، أو تُهدم بها ثوابت راسخة.
وإلى الفتيات خاصة: الكرامة ليست شعاراً يُرفع في الفعاليات، بل واقعاً يُصان بالوعي.
ليس كل حضنٍ دفئاً، ولا كل دعوةٍ تحرراً. قد يكون أقسى الناس عليكِ أحياناً هو الأحرص على سمعتكِ ومستقبلكِ، وقد يبتسم لكِ آخرون بينما يدفعونكِ خطوةً بعد خطوة خارج منطقة الأمان.
المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل حين تختلط المعاني، وحين يُستبدل الوضوح بالالتباس.
اقرأ للكاتب وعنه
الإعلامى والكاتب وائل سليمان في تجربة غير تقليدية مع قنوات ومنصات نور
وائل سليمان يسطر: أبو لولو.. سر سفاح الدعم السريع المتفاخر بجرائمه الدموية في الفاشر
والحكمة تقتضي أن نُميّز بين الدعوة الصادقة لتعزيز الأسرة، وبين محاولات إعادة هندسة الأخلاق تحت غطاء إنساني ناعم.
فليكن النقاش هادئاً، ولتكن غيرتنا على القيم واعية لا منفعلة، لكن في الوقت نفسه يقِظة لا غافلة.
لأن الحفاظ على الحدود ليس تضييقاً للحياة، بل حماية لها من أن تتحول إلى مساحة مفتوحة بلا سياج.
