
صدر قانون الإيجارات الحالي 164 لسنة 2025م والذي كان كقنبلة كادت أن تعصف بالأمن الاجتماعي القومي لمصر حفظها الله من صدمات متوقع تأجيجها بين ملاك عانوا الأمرين على مدار عقود وظلم بين وعدم عدالة في الانتفاع بعوائد أملاكهم والانتفاع بها.
وكان الواقع الفعلي أن المستأجر يورث لأبناءه وأحفاده بقيمة إيجارية لا تتناسب البتة مع أسعار السوق ولا يستطيع مالك أن يعطي أحد أبناءه وحدات من عقار يمتلكلها مؤجرة بجنيهات قليلة أو قروش ويضطر يستأجر له بسعر السوق ويتحسر آلماً على فلذات أكباده .
لكن في المقابل، كانت هناك سردية تنال مصداقية كبيرة بواقعيتها، حيث كان الملاك قد حصلوا على مقدمات أو كما كانت تسمى خلو رجل، كبير مقارنة بالأرقام وقتها.
وبالتالى يرى المستأجرون أن الامتداد والقيم الإيجارية حق مكتسب ، ومستعدون لزيادات مقبولة مقارنة بالتضخم وتسعيرات السوق، لكن لا يجوز المساس به ولا يمكن تهديد استقرارهم، في سكنهم الذين رتبوا أمور حياتهم عليه لسنوات وخططوا للامتداد في عقود الإيجار لأبنائهم، فيما اعتبره البعض توريثا محرما.
فقد جاء القانون الحالى بتقسيم جميع مناطق الجمهورية إلي مستويات معينة وحدد لها قيمة إيجارية حسب المستوى الاجتماعي وأعطي مهلة خلالها تتم الزيادة الايجارية بنسب وبعدها يتم الطرد ما لم يتفق المالك والمستأجر علي عمل عقود جديدة .
طالع مقالات أخري للكاتبة
نورا الفرا تسطر: كيف يرد الصهاينة على فواجعهم بفضائح إبستين؟
نورا الفرا يسطر: العلاقة بين موساد إبستين وبروتوكولات حكماء صهيون
نورا الفرا تسطر: هل يسقط الذكاء الاصطناعي النظام الإيرانى؟
وحيث أن قوانين الإيجار في مصر ترتبط وجوداً وعدماً طبقاً للوضع السياسي والاقتصادي السائد للدولة .
فأيام الملكية كان المعروض من السكن يفوق عدد من يحتاج للسكن ، وبالتالي لم تكن هناك مشاكل تثار.
وبعد العهد الملكي تبنت الدولة المصرية الاشتراكية كفكر سياسي وما يتتبعه من فكر اقتصادي والسير نحو الملكية العامة وتقليص الملكيات الفردية، وما كان سائداً بعد القضاء على الحقبة الملكية بثورة شعبية وكان يروج لفساد الملكية وأن أغلب الأغنياء لم يحصلوا علي ثرواتهم بطرق مشروعة وعليهم إعادتها للشعب.
وكانت قوانين الإيجار في هذه الحقبة تذبح الملاك المذنبين إجتماعياً لصالح المستأجرين الفقراء، واتجهت إلي عمل لجان وتخفيض القيم الإيجارية أكثر من مرة وأصبح الملاك يموتون بحسرتهم وهم يرون أن أملاكهم تورث للمستأجرين جيلاً بعد جيل فكان الامتداد حتى الدرجة الرابعة بل وحتى للضيوف (الاستضافة)، وكان المقدمات مرتفعة بشكل أو آخر.
ثم في بداية السبعينيات اتجهت الدولة إلى الانفتاح الاقتصادي وهدم الاشتراكية وما يتبعها من فكر اقتصادي، وهنا تم تعديل قوانين الإيجارات لتحد من الامتداد ولكن علي درجات وليس كلها دفعة واحدة.

ثم في الثمانينات والتسعينيات اتجهت الدولة للخصخصة وما تبعها من سياسات الاقتصاد الحر وتم التضييق أكثر على الامتداد بموجب أحكام المحكمة الدستورية العليا التي حصرته في أضيق نطاق .
ثم بعد ذلك وحتى الآن تتجه الدولة إلي الاقتصاد الحر وجذب الاستثمارات وتشجيع الملكية فأصبح الامتداد محصوراً في حالة واحدة فقط ( لا يمتد عقد الايجار إلا للأبناء والأباء بشرط الإقامة الدائمة المستقرة مع المستأجر الأصلي ).
وحيث كان ذلك ظلماً للملاك، وفق بعض الرؤي، فقد ظلوا يضغطون لنيل حقوقهم المهدورة عقود من الزمان في مقابلة ضغوط من المستأجرين وهم أكثرية، في مقابل رواية المستأجرين حول أنهم دفعوا مبالغ كبيرة في المقدمات، وصيانات العمارات والشقق.
وحيث أن أول قانون إيجارات صدر في التشريع المصري كان القانون 121 لسنه 1947م وانطبق علي عقود الإيجار التي أبرمت منذ أول مايو سنه 1947م أى قبل صدور القانون المدني .
ثم صدر القانون رقم 46 لسنة 1962م يتناول تحديد إيجار الأماكن التي نشأت بعد العمل بالقانون 168 لسنه 1961م .
ثم صدر القانون رقم 52 لسنة 1969م في شأن تنظيم إيجار الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجرين المستأجرين .
ثم صدر القانون رقم 49 لسنة 1977م في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر وعالج حالات الامتداد .
اعرف أكثر
دعوى بعدم دستورية ووقف تنفيذ قانون الإيجار الجديد
وجاء في المادة (29) منه تحديد من يمتد إليه عقد الايجار والتي قضي في معظم من قررت المادة الامتداد إليهم بعدم الدستورية .
وفي كل تلك القوانين السالف الإشارة إليها، كان العقد يمتد إلي الأولاد والأحفاد قبل صدور الأحكام الدستورية.
ثم صدر القانون رقم 136 لسنة 1981م وضيق من حالات الامتداد ، كما قضت المحكمة الدستورية العليا علي كثير من تلك الحالات .
ثم صدر القانون 4 لسنة 1996م في شأن إيجار الأماكن السكنية (أى منذ ثلاثين عاماً ) وهو باختصار تطبيق لقاعدة العقد شريعة المتعاقدين طبقاً لأحكام القانون المدني أى الشريعة العامة وليس كقانون إيجارات خاص كالقوانين السابقة التي لها أحكام خاصة تخرج عن قاعدة العقد شريعة المتعاقدين وفتح الباب أمام الملاك أن يعرضوا وحداتهم المغلقة لعقود خشية الامتداد وسلبها منهم إلى عقود الإيجار الجديدة وأطلق عليها العامة قانون الإيجار المؤقت وحل كثيراُ من أزمة الإسكان وأن كانت له بعض عيوبه.
وبالنظر إلي هذا القانون نجد أنه منذ ثلاثين عاماً قد استقرت أوضاع هذا القانون وتأكلت طبقات من يمتد إليه القانون وأن كان بعض الملاك لا يدرون أن من يشغل العين المؤجرة من يقيم فيها ليس له حق في الإمتداد جهلاً بالقانون .
ثم صدر القانون6 لسنة 1997م في شأن تأجير الأماكن لغير غرض السكنى وحدد زيادات سنوية طبقاً لمعايير معينة أيضاً طبقاً للقانون المدني وليس طبقاً لقواعد خاصة.
ثم صدر أخيراً القانون الحالي 164 لسنة 2025م والذى تناول تنظيم العلاقات الايجارية سواء سكنية أو لغير أغراض السكنى بزيادات معينة وأعطي مهلة تنتهي بالطرد مما أغضب المستأجرين.
وثارت المطالبات بعدم الطرد وتحديد زيادات معقولة وفي خضم هذه الأحداث اختفي الحديث عن الامتداد المتآكل بموجب القوانين وأحكام الدستورية السالف الإشارة إليها، والذي كان يراه المستأجرون حق مكتسب ويراه الملاك إعتداء علي حقوقهم وإهداراً لها ويتبقي فقط الطرد من عدمه .
ومنذ عدة أيام تقدم أحد نواب مجلس الشعب باقتراح تعديل لهذا القانون فيما يتعلق بالطرد .
*وفي رأيي الشخصي أن الدولة في هذا القانون نجحت في القضاء علي معضلة التوريث وسيقبل الإقتراح بعدم الطرد بزيادات معقولة على أن يكون شاغل العين (المستأجر الاصلي ) هو أخر شاغل لها وينتهي العقد بقوة القانون بوفاته أو تركه العين دون أن يكون لأي شخص أخر بأى صفة البقاء في العين وتسلم بقوة القانون للمالك .
مما يمنع اندلاع أى صراع أو تصادم مستقبلاً بين الملاك والمستأجرين ويحافظ علي الأمن القومي الأجتماعي المصري وهو ما نأمل ….. حفظ الله مصر وشعبها .
نورا علي الفرا
المحامية بالنقض والإدارية والدستورية العليا
باحثة دكتوراة في العلوم السياسية والاستراتيجية
المقالات، مساحات خاصة بكتابها، وليست بالتبعية معبرة ومتوافقة مع السياسة التحريرية لموقعنا
