
على مدى عمري الإعلامي الممتد لعقود لا أتذكر فيلماً سينمائياً أثار هذا الجدل بمجرد ظهور ” الأفيش ” والبرومو ، وازداد الجدل بعد ظهور إعلان الفيلم ” البرومو ” ، وتحول الجدل إلى حالة من الاستقطاب بل والاستعداء بعد عرض الفيلم في دور العرض ، كل هذا يشير بوضوح ان هذا العمل غير عادي ( من حيث جودته أو رداءته ).
ونعود إلى ” الأفيش ” فالجدل حوله يعني ببساطه أن المشاهد رأى شيئاً فجاً ، غير متوقع وغير مقبول.
وكان هذا الشيئ هو صورة وشكل بطلة العمل ، والذي كان لا يعبر من قريب أو من بعيد عن صاحبة العمل الأصلية ، والتي انطبعت صورتها في قلوب الملايين قبل أعينهم ، وليس تباعد الشكل هو المشكلة ولكن سوء الشكل هو ما أثار حفيظة أحباء الست ، ومن منا لم يحبها ، هذا الشكل السيئ لم يثر الجدل فقط بل أثار قدراً من السخرية أظن أن أصحاب العمل لم يتوقعوه.
وظهرت جدلية هل لابد لمن يجسد سيرة ذاتية أن يقترب شكلاً من صاحب السيرة ؟ ، جدلية فنية ونقدية لن تنتهي ، ولكن المنطق يقول لابد من وجود شيئ من التقارب في الشكل والحركة والكلام ، وإلا فماذا يعني تقمص الشخصية ؟!

ما ظهر من الصورة الساكنة بالأفيش أوحى أو أعلن عن شكل مخالف تماما وبعيد كل البعد عن صاحبة السيرة ، وهو ما تأكد بعد عرض ” البرومو ” ، وأصبح يقيناً لدى مشاهد الفيلم ، حيث أكدته الحركة وطريقة الكلام.
وبدا الأمر أن بطلة الفيلم تجسد شخصية أخرى غير صاحبة السيرة ، و لننتهي من أمر الشكل فلابد لبطل العمل الفني أن يجيد تقمص الشخصية وجزء أساسي من هذا التقمص هو محاولة التقرب من هيئة صاحبة السيرة ، وليس التطابق الشخصي .
عندما تقدم جهة ما على تقديم عمل فني لسيرة ذاتية فمن المؤكد أن صاحب السيرة شخصية متميزة أو زعيمة أو رائدة أو مؤثرة في مجالها ومحيطها وهكذا ، فالإنسان العادي لا نلتفت لسيرته ، أما الإنسان ” السوبر ” هو من نخلد ذكراه بالأعمال الثقافية والفنية ، وحيث أن صاحب السيرة بشر فله محاسنه ومساوئه ، ولكننا نخلد ذكرى تفوقه وتميزه وزعامته وتأثيره ، فليس هناك ما يدعو إلى التطرق إلى أي طباع شخصية غير مقبولة مجتمعياً.
اعرف أكثر
كلمه ونص عمرو محسوب النبي: كأسك ياعرب..رغم حلاوته تجرعنا مرارته!
لا نقول إننا نجعله ملاكاً ، ولكن أيضا نحن لا نقدم عملاً فنياً عن سيرته لنكشف أي جوانب سلبية في شخصيته ، العمل الفني للسيرة الذاتية يستمد نجاحه من تميز صاحب السيرة وليس من الكشف عن سلبيات الشخصية او مساوئها ، العمل الفني للسيرة الذاتية ليس عمل تأريخي يوضع في ملفات المؤرخين ، ولكنه تخليد لذكرى شخصية خالدة بطبعها في قلوب الناس.
مجرد التركيز على سلبيات صاحب السيرة لابد أن يثير لدى الجمهور تساؤلات عن ” مراد ” العمل وأصحابه ، ونعذر الجمهور إذا شطح بفكره إلى سوء ال ” مراد ” ، ليس تخويناً ولا بافتراض نظرية المؤامرة ، ولكنه دفاع ذاتي من الجمهور المحب لصاحب السيرة ، وهذا حقه ، والمسئولية يتحملها صناع العمل الفني الذين اختاروا هذا المنحى في تناولهم لصاحب السيرة ، فنرجوكم التزموا الهدوء ، ولا تنزعجوا من ردود الفعل ، بل انزعجوا مما قدمتوه وراجعوا ” مرادكم.
عندما تكون لدينا شخصية أسطورية ، تم تقديم سيرتها الذاتية في مسلسل نال الإعجاب بشدة وجدارة واستحقاق ، ثم تكرر الأمر في فيلم سينمائي لم يحقق نفس رد الفعل الجماهيري ولكنه لم يرفض بالشكل الحادث الآن.

من الطبيعي والمنطقي أنه عندما تقدم جهة ما على تقديم السيرة الذاتية لنفس الأسطورة لمرة أخرى أن تسأل نفسها قبل الشروع في العمل ” هل لدي القدرة أن أقدم عملاً يفوق سوابق الأعمال عن صاحب السيرة ؟” ولابد أن تكون الإجابة بمنتهى الموضوعية والمنطقية ، وليست بمجاملة صاحب الفكرة ، ولا باستسهال الأمر ، ولا بتصور قدرات أكبر بكثير من قدرات من يتصدون للعمل.
ولكن يبدو أن الأمر صار في طريق مجاملة صاحب الفكرة ، وليس اللوم على هذا ، بل اللوم الأكبر على من تصدى لأي من عناصر الفيلم سواء الكتابة أو الإخراج أو التمثيل دون أن يرى حقيقة قدرته الفعلية على ما يتصدى له ، ويبدو أن البعض عند نجاحه في عمل أو أكثر يتخيل أنه قادر على النجاح في أي عمل ، ليس ذلك فقط ، بل إن البعض ممن فشل في مثل هذا النوع من الأعمال ، لا يتردد في تكرار التجربة دون أي تطوير لذاته.
اعرف أكثر
رشدى الدقن يسطر:وطن منكسر ورمز يصدح..عندما أذهلت أم كلثوم العالم في الأولمبيا ومدحها ديجول
ومثال ذلك واضح في بطلة العمل التي لم تصادف النجاح في سيرة الفنانه سعاد حسني ، فكررت العمل مع شخصية أكثر جماهيرية بل وقدسية لدى محبيها.
واخيراً .. لا أحد ضد حرية التعبير وإبداع الرؤى ، ولكننا بالتأكيد ضد النيل من الرموز والإساءة اليها بحجة الإبداع وحرية التعبير .
الست أم كلثوم ليست مجرد مطربة ناجحة ، بل هي رمز فني وحالة مجتمعية ورائدة فنية ومرحلة مصرية عاصرت فترة طويلة من تاريخ مصر والمنطقة العربية فصارت جزءً هاماً من تاريخ هذه الفترة ، هي أسطورة استطاعت بصوتها وفنها أن تغمر قلوب محبيها بكل الحب والود والتقدير ، فلا يصح أن نقبل أي عمل ينال من هذه الرمزية التي لم تتكرر ، ليس ترفعاً فوق النقد ولكن حباً ووفاءً .
وفي النهاية .. لا يحيق آل ” مراد ” السيئ إلا بأهله .
المستشار الإعلامي
عمرو محسوب النبي
