هنجوزك هنومة:
استمتعتُ اليومَ بمشاهدةِ فيلم «باب الحديد»، واحدٍ من أهمِّ كلاسيكياتِ السينما المصرية، للعبقري يوسف شاهين، ووقفتُ مشدوهاً لأدائه المذهل في دور “قناوي” بائع الصحف، ذلك الشخص المهمَّش الذي رفع سقفَ أحلامه فوق واقعه المزري، وحلم بالزواج من هنومة، فكانت نهايتُه أن أرسلَ له الطبيبُ عمَّ «مدبولي» لِيُلبِسَه القميصَ.
وتذكَّرتُ الكثيرينَ من الحمقى في حياتِنا، وهم يسيرون في ذات الدرب، دون أن يشعروا أو يدركوا أنهم سيلبسون القميص في النهاية، وهم يحسبونه «جلابية» الفرح.
باريس: الخامسة مساءً بتوقيت القاهرة.

«فلورانس» ليست مكانًا على الخريطة،
إنها امتحانٌ للروح: إمّا أن تراها… أو أن تراك.
تلك المدينة التي لم يكتبها الشعراء بقدر ما كتبوا أنفسهم فيها.
دانتي، ابنُها المنفيّ، رآها جرحًا لا يبرأ، وحبًّا لا يُنسى؛ مدينةً تطرد أبناءها، لكنها تظلّ تسكنهم إلى الأبد.
وغوته، العابر بعين الفيلسوف، وجد فيها مكانًا لا يُكتفى برؤيته، بل يُفهم بالعقل ويُحبّ بالقلب، كأنها درسٌ كامل في معنى الجمال.
أمّا شيلي، فشعر أن الفكر نفسه قد تحوّل في فلورانس إلى حجر، وأن الشعر لم يعد كلمات، بل عمارةً قائمة، جدرانُها المعنى وسقفُها الخيال.
وبين ظلالها، لمح بايرون ذلك التزاوج الغريب بين المجد والحزن، حيث لا يكون الجمال خفيفًا، بل مشوبًا بأسىً نبيلٍ يزيده عمقًا وهيبة.
اعرف أكثر
د. حماد الرميحى يسطر: هل الدولة المصرية تدعم الصحافة والإعلام؟
أوسكار وايلد، الهارب من ابتذال العالم، وجد في فلورانس وطنًا للفن، برهانًا حيًّا على أن الجمال يمكن أن يمنح الإنسان إحساسَ الانتماء أكثر من أيّ أرض.
وريلكه، المتأمّل الصامت، لم يرَ فيها مجرّد مدينة، بل حالةً روحيةً دائمة، يقظةً داخليةً لا تنطفئ.
أمّا هنري جيمس، فلاحظ أن التاريخ في فلورانس لا يشرح نفسه ولا يتباهى، بل يكتفي بأن ينظر إليك في صمت، واثقًا من حضوره.
وفي النهاية، يقول إليوت:
تُعلّمك فلورانس الصمت؛ ذلك الذي لا يعني الفراغ، بل الامتلاء…
امتلاء الفن، والذاكرة، والإنسان، حين يواجه الجمال الخالص دون حاجة إلى تفسير.
فلورانس: الخامسة مساءً بتوقيت القاهرة
