إسلام كمال ووحدة الشئون الإسرائيلية
طبيعي أن تحتل صور الأسرى الإسرائيليين العائدين بعد نصر أكتوبر لتل أبيب ببيچامات الكستور المحلاوى المصرية، عليها الصليب النازى، لكن سيكون الأمر مختلفا تماما عندما تتصدر هذه الصور وغيرها، صحيفة إسرائيلية شهيرة مثل هآرتس، في تحقيق كبير عن أسري إسرائيل في مصر والدول العربية منذ حرب فلسطين وحتى الآن.
ويقول الصحفي الإسرائيلي عوفر أديرت في تحقيق مطول بصور غير تقليدية، إن الدول العربية على قسوتها على الأسري الإسرائيليين في كل الحروب، لم تكون قاسية مثل حماس، متجاهلا تماما جرائم إسرائيل في حق الأسري المصريين والعرب، بمن فيهم من قتلوهم حرقا ودفنوا أحياء ولعبوا بجماجمهم الكرة.
ووفق الرصد الإسرائيلي، “عاد أول أسري إسرائيل”، في يونيو/حزيران 1974. الطيار عميرام غاي، ثم تلاه مئات الأسرى على متن طائرة تابعة للصليب الأحمر.
أُسر نحو 300 جندي إسرائيلي في مصر وسوريا ولبنان خلال حرب أكتوبر، وهو أعلى عدد من الأسرى منذ حرب 48. وفق الترويجات الإسرائيلية الكاذبة ، فالاعداد أضعاف ذلك بكثير، وزاد من وطأة هذه المشاعر المريرة الفوضى الناجمة عن العجز والجهل.

“لم نكن نعرف عدد الأسرى ولا هوياتهم”، هذا ما استذكره هذا الشهر المقدم (احتياط) شمعون لافي، العضو السابق في سلاح الاستخبارات، والذي كان لسنوات مسؤولاً عن ملف أسرى الحرب والمختطفين والمفقودين في الجيش الإسرائيلي.
إضافةً إلى ذلك، واجه الجيش الإسرائيلي صعوبةً في التمييز بين الأسرى والمفقودين الكثر، الذين كان يُخشى سقوطهم في المعارك.
كانت هناك أسبابٌ عديدةٌ للفوضى، أبرزها كثرة الإصابات بين الجنود، وافتقار الجيش حتى تلك الحرب إلى نظامٍ دقيق لتحديد أماكن المفقودين، مع أنه حتى قبل ذلك، كان لكل عقدٍ ولكل حربٍ أو عمليةٍ حوادثُ أسرى حربٍ خاصةٌ بها.
ويشير لافي إلى أن “أعدائنا كانوا يعرفون حساسية إسرائيل تجاه مصير الأسرى وجلب القتلى إلى قبور إسرائيل، وقد استغلوا هذه النقطة الضعيفة إلى أقصى حد”.
وفي كتابه الجديد “أسرى، مُخلّصون، عابرو حدود، ورهائن”، يقول لافي إنه في الوقت نفسه، أجرى الجيش الإسرائيلي إحصاءً “للتحقق من أماكن تواجد الجنود، ومن هم الأسرى، وما إلى ذلك”.
وحسب قوله، جُنّد عشرات الضباط والمتطوعين للمهمة: أُرسلوا مع استبيانات إلى المستشفيات ودور النقاهة، وطُلب منهم من الجنود الجرحى والمتعافين تزويده بمعلومات عن مصير المفقودين.

استلمت الشرطة العسكرية المُحقِّقة الاستبيانات المُكتملة، ورتّبتها وفقًا لأوامر القتال، وأنشأت قاعدة بيانات. وفي مرتفعات الجولان وسيناء، قام جنود آخرون بتفتيش المنطقة بالتعاون مع أعضاء الحاخامية العسكرية. شكّل هذا النشاط أساسًا لإنشاء وحدة “إيتان” للبحث عن المفقودين.
بلغ عدد أسرى الحرب الإسرائيليين في الدول العربية خلال حرب 48 قرابة ألف أسير. وتفاوتت معاملتهم من بلد إلى آخر، إلا أن الصليب الأحمر زارهم، بل وسُمح لهم بإرسال رسائل إلى عائلاتهم.
وفي اليوم السابق لوقف إطلاق النار، تم إنشاء مركز في تل أبيب لتحديد هوية أسرى الحرب الإسرائيليين.عرض المركز معلومات بصرية توثّق الأسرى، بما في ذلك قصاصات صحفية وصور من برامج تلفزيونية عربية بثّت مقابلات مع أسرى إسرائيليين، نقلوا فيها تحياتهم لعائلاتهم. وتوجه أقارب الأسرى، الذين أُبلغوا بغيابهم، إلى المركز للمساعدة في تحديد هوياتهم.
“حتى الكرة الأخيرة”
لم يفهم العديد من الأسرى المحررين فرحة الاستقبال التي كانت بانتظارهم عند عودتهم. يوضح لافي: “لم يشاركوا القادة في ‘الاحتفال’ بتحريرهم من الأسر، واشتكوا من أن هذه الاستقبالات غير لائقة ولا تعبر عن مشاعرهم.
استُقبلوا بلافتات ضخمة في مطار بن غوريون كُتب عليها: ‘أهلاً بعودتكم يا أبطال إسرائيل’، بينما كانوا يشعرون بالذنب تجاه سلوكهم في الأسر”.

وحسب زعمه، خاف الأسرى من أنهم “فشلوا في مهمتهم” باستسلامهم، ورفع أيديهم، وكسرهم أسطورة الجيش الإسرائيلي القائلة بأن لا أحد يستسلم في المعركة.
يدعى: “إن كسر الأخلاق الصهيونية المتمثلة في عدم التعاون مع العدو خلق لدى معظم السجناء شعورًا بأنهم انتهكوا الاتفاق المبرم بينهم وبين إسرائيل. واجهوا صعوبة في التعايش بسلام مع هذا الشعور، ورأوا ضرورة لتهدئة ضمائرهم”.
ومع ذلك، ووفقًا للباحثة داليا غابرييلي نوري، خلال حرب أكتوبر، “ظهر شرخ جوهري في أخلاقيات ‘القتال حتى آخر رمق’ – وهي أخلاقيات جوهرية رافقت الصهيونية منذ نشأتها، وأدت إلى نزع الشرعية عن فكرة الأسر”، وفق زعمها.
وفي مقال نُشر عام ٢٠٠٨ حول هذا الموضوع، كتبت غابرييلي نوري أنه بدلًا من الأخلاقيات القديمة، “بدأ تقليد قيمي يُعطي الأولوية للحق الشخصي في الحياة، ونتيجةً لذلك، بدأ الاعتراف بشرعية خيار الأسر، في حال وجوده”.
من هنا، كما تتابع، تم في الثمانينيات والتسعينيات تمهيد الطريق أمام “شروط ذات طبيعة شبه اقتصادية”، مثل “تبادل الأسرى” ومناقشة “الثمن” و”العودة” المدفوعة مقابل الأسرى الإسرائيليين.

وبعد عودة السجناء، تم الكشف عن الظروف القاسية التي كانوا يعيشون فيها أثناء اعتقالهم، تبين أنهم لم يكونوا في معسكرات أسرى الحرب، بل كانوا مسجونين في زنزانات في سجون في مصر وسوريا، وعانوا من الجوع والتعذيب، وبعضهم إلى حد الموت.
وحسب الرصد الإسرائيلي في هآرتس ، ثلاثة جنود من الجيش الإسرائيلي حصلوا على أوسمة لسلوكهم في الأسر: أفراهام لانير، قائد سرب تعرض للتعذيب حتى الموت على يد السوريين لكنه لم يكشف عن أي أسرار – حصل على وسام الشجاعة؛ غابرييل غارزون، الطيار الذي تعرض لتعذيب شديد في سجن سوري ونتيجة لذلك تم بتر ساقه، لكنه لم يكشف عن أي معلومات – حصل على وسام التميز؛ آفي فايس، ضابط مخابرات وقع في الأسر المصري، حصل على وسام التقدير.
وبحسب الباحثة داليا غابرييلي نوري، فبدلاً من الأخلاق القديمة، بدأ يتطور “تقليد قيمي يعطي الأولوية للحق الشخصي في الحياة، وبالتالي الاعتراف بشرعية اختيار الذهاب إلى الأسر”.
وكما ورد في التقرير المطول في هارتس، يمكن ملاحظة تشابه بين الماضي والحاضر في حرب 48، التي وُثِّقت بعدها أول منظمة للعائلات الإسرائيلية لإعادة أبنائها من أسر العدو. سقط حوالي 135 إسرائيليًا في الأسر المصرية خلال الحرب، معظمهم من المدافعين عن كيبوتس نيتسانيم، وبعضهم جنود يقاتلون في الجنوب.
يقول لافي إن آباءهم “احتجوا بشدة على قلة الجهود لتحرير الأسرى، وطالبوا بالإفراج عنهم، وزعموا تعرضهم للتعذيب”.
ويضيف أيضًا أن الآباء اعتمدوا على تقرير قدمه أحد الأسرى في مصر، وهو جورج شيلي، نيوزيلندي غير يهودي تطوع للقتال في حرب 48.

وهى قصة مرعبة وفق دعاويهم، في 9 يوليو/تموز 1948، شارك في الهجوم الفاشل الذي شنّه لواء النقب على الشرطة العراقية، وأُسر، حيث تعرض للضرب والتعنيف الشديد.
في 8 نوفمبر/تشرين الثاني، تحت جنح ليلة ضبابية كثيفة، تمكن من الفرار من معتقل العباسية في مصر. وفي طريقه، واجه جنديًا سودانيًا، فقتله، وارتدى زيه العسكري.
وحسب الدعاوي الإسرائيلية، بعد ذلك سرق سيارة، واخترق الحواجز الأمنية، ووصل إلى ميناء بورسعيد، حيث سبح إلى سفينة بريطانية، متظاهرًا بأنه بحار، وأبحر إلى قبرص، ومنها وُضع على متن سفينة نقلته إلى إسرائيل.
وفي تقرير أرسله إلى ممثل الصليب الأحمر في إسرائيل، فند وقائع الضرب الذي تعرض له في الأسر، ونقص الطعام، والتعذيب، حتى في المستشفى في مصر.
وحسب التقدير الإسرائيلي المزعوم، بلغ عدد أسرى الحرب الإسرائيليين في الدول العربية خلال حرب 48 وحدها، قرابة ألف أسير. وهذا ما يكشف كذب التقديرات الأخرى المذكورة سابقا، في التحقيق الإسرائيلي، بالإضافة إلى أسرى إسرائيل في مصر، أُسر حوالي 700 جندي ومدني في الأردن، من مواقع المعارك في القدس، وغوش عتصيون، واللطرون، والبحر الميت.وفي سوريا ولبنان، أُسر حوالي 80 جنديًا ومدنيًا إضافيًا.

على عكس حروب إسرائيل، يُشير مسؤولون إسرائيليون، إلى أن عمليات تبادل الأسرى كانت تُجرى عادةً بناءً على اتفاقيات وقف إطلاق النار في نهاية القتال، “ولذلك كانت فترة الأسر قصيرة نسبيًا”.
ومع ذلك، في أوقات أخرى، “لم يُطلق سراح الرهائن إلا بعد فترة طويلة وبعد أن تصرفت إسرائيل بتلاعب”.
ويعترف لافي، أن “سياسة الحكومة الإسرائيلية لإعادة الأسرى… كانت عمومًا خاضعة أيضًا لاعتبارات سياسية، لم تتوافق دائمًا مع مصالح الأسير أو المختطف”.
وأشارت هآرتس إلى فضيحة لاڤون التى وترت علاقات إسرائيل بعدة دل غربية لفترة، ومنهم “إسحاق حبيش” – روبرت ديسا، وفيكتور ليفي، ومارسيل نينو، وفيليب ناثانسون – والذين ظلوا في الأسر المصري لمدة 14 عامًا.
وتوضح الصحيفة جريمتهم الإرهابية الدولية، حيث جُنِّدوا ضمن مجموعة أُرسلت من إسرائيل لتنفيذ عمليات تخريبية ضد منشآت غربية في مصر، ولإجبار بريطانيا على التراجع عن خطتها لإخلاء قناة السويس.

ومن بين ما فعلوه، وضع أعضاء المجموعة طرودًا ناسفة في مكتب بريد الإسكندرية، ومتفجرات في المكتبة الأمريكية بالقاهرة. لاحقًا، حاولوا زرع عبوة ناسفة في دار سينما بالإسكندرية، لكن خطأً ما أدى إلى كشف أمرهم. فحوكموا أمام محكمة عسكرية مصرية. وأُعدم قائدا المجموعة، موشيه مرزوق وشموئيل عزر، شنقًا.
أما بقية أعضاء المجموعة، فقد حُكم عليهم بالسجن لفترات طويلة، وتعرضوا لتعذيب شديد أثناء الاستجواب، وعانوا معاناة شديدة أثناء احتجازهم في السجن، وفق الترويج الإسرائيلي رغم الإعتراف بجريمتهم.
في عام 1956، كانوا يأملون في أن يتم تبادلهم وإعادتهم بعد حرب سيناء مقابل الأسرى المصريين الكثر، لكن أملهم خاب. ولم يُفرج عنهم إلا في صفقة تبادل أسرى بعد حرب 67.
ويقول لافي: “لمدة 14 عامًا، أهملت إسرائيل عمليًا من بقوا في مصر، حتى ما بعد حرب 67”.
في هذا السياق، يُشير الخبير الإسرائيلي إلى أن تل أبيب لم تُصرّ على إطلاق سراح أعضاء الخلية حتى بعد حرب العدوان الثلاثي في نوفمبر 1956، “عندما كانت تحتجز آلاف الأسرى المصريين”، وفق دعاويه.

وأمر وقتها رئيس الأركان موشيه ديان الجيش الإسرائيلي بسجن شخصيات بارزة من غزة كورقة مساومة، بمن فيهم شقيق نائب الرئيس المصري الذي أُسر في غزة، من أجل إجراء تبادل أسرى وإطلاق سراح ضحايا القضية.
ومع ذلك، يقول إن هذا كان “عملًا بسيطًا”. في النهاية، تم إطلاق سراحهم بفضل ضغط من رئيس الموساد آنذاك، اللواء مائير عميت.
وفي مايو/أيار 1973، وافق المصريون على طلب الصليب الأحمر بتزويد الأسرى بجهاز راديو. كان الجهاز مضبوطًا على إذاعة صوت القاهرة، لكنهم تمكنوا من الاستماع إلى إذاعة صوت إسرائيل. وعندما أدرك الجيش الإسرائيلي ذلك، حرص على بث رسائل إليهم عبر الراديو.
وبعد حرب الاستنزاف، بين عامي 1967 و1970، احتجز المصريون عشرة أسرى إسرائيليين. يقول لاڤي: “انتهت الحرب دون تبادل للأسرى.
لم تطالب الحكومة الإسرائيلية ووزير الدفاع موشيه ديان بتبادل الأسرى”. التقى أهالي الأسرى برئيسة الوزراء غولدا مائير بشكل متكرر، “لكن المحادثات لم تكن سهلة ولم تبعث على الأمل – وكانت العائلات على وشك اليأس”.

يكتب لاڤي: “عاملت رئيسة الوزراء زوجات الأسرى كأمهات. وجهت إليهن كلمات قاسية، لكن الدموع انهمرت من عينيها”.
كما طُرحت إمكانية القيام بعملية عسكرية لإنقاذ الأسرى، لكن مائير، وفق قول لافي، “رفضت كل مقترح لعملية إنقاذ عسكرية، مدعية أنه من المحظور قتل جندي آخر من أجل فدية الأسرى”.
وينقل في كتابه أيضاً تصريحاً فظاً قاله ديان لإحدى النساء التي كان زوجها في الأسر: “ماذا تريدين، أن يعود الرجال الآخرون إلى الخزانة لاستعادة زوجك؟”
في نهاية شهر أكتوبر/تشرين الأول 1973، نشرت أمهات وزوجات الجنود الإسرائيليين الذين وقعوا في الأسر في سوريا خلال حرب يوم أكتوبر عريضة بعنوان “نداء عاجل إلى حكومة إسرائيل”.”نحن أمهات وزوجات أسرانا وجنودنا نطالب بعودة أسرى الحرب مقابل عودة أسرى العدو خلال 24 ساعة وبدون تأخير”.
هذا ما جاء في البيان.لن يقف أي عائق في طريق هذا التحرك… تبادل الأسرى هو الشرط الأول لوقف إطلاق النار! أسرانا في خطر، وعلينا بذل قصارى جهدنا لإعادتهم! يجب أن نطالب بالإفراج الفوري عنهم وعدم التخلي عنهم ولو ليوم واحد، حسب دعاويهم.
وفي 22 أكتوبر/تشرين الأول، أبلغت مائير أعضاء الحكومة أنها لن تتمكن من الموافقة على وقف إطلاق النار دون تبادل أسرى، وقالت: “لا يمكننا العيش وأسرانا في مصر وسوريا. نحن نعرف ما يعنيه ذلك، وما يحدث لهم هناك، وأنه لا يمكن إخراجهم من هناك”.. فعادوا لها بالكستور.

تعليق إندكس
أكدت عدة وقائع أن جرائم إسرائيل في حقوق أجدادنا وأباءنا الذين أسروا خلال مواجهاتنا ضدهم، لاتزال مخفية، ومنها وقائع اعترفوا أنفسهم بها، متباهين بجرائم السادية في حق أسرانا، وكانت قد طالبت مصر باستيضاحات عن وقائع جريمة حرق ودفن لأسري أحياء خلال مواجهات على الحدود الأردنية لكن لم يصل ردا صريحا من تل أبيب، ونحن ندعو لتجديد الضغوط، لإجباء المجرمين على الاعتراف بباقي جرائمهم وإعادة رفات أسرانا لدفنها في أرض وطنهم، الذين ضحوا من أجله.

One thought on “لعلهم يعتبرون:حكاوى الأسري الإسرائيليين بالكستور المحلاوى تتصدر إعلام تل أبيب”