جاءنا الآن
الرئيسية » جاءنا الآن » لن ننسي: الذكرى ال٥٦ لمذبحة بحر البقر..كيف تلذذ الإسرائيليون بقتل الأطفال المصريين كالفلسطينيين؟

لن ننسي: الذكرى ال٥٦ لمذبحة بحر البقر..كيف تلذذ الإسرائيليون بقتل الأطفال المصريين كالفلسطينيين؟

إهداء من إندكس لشهداء مذبحة بحر البقر

لا تسقط جرائم الحرب بتقادم الزمن، وأكبر دليل على ذلك الانتفاضة السوشيالية والشعبية المصرية لإحياء الذكرى ال٥٦ لمذبحة تلاميذ مدرسة بحر البقر ، خلال الحرب المصرية الإسرائيلية ، التى أرادت بها إسرائيل إيلامنا وإبتزازنا واستفزازنا بعد ضربات حرب الاستنزاف الموجعة لها.

الانتقام لجرائم الحرب الإسرائيلية 

ولا يختلف الطفل المصري عن الطفل الفلسطينى أو اللبنانى أو السوري، فكلهم قتلوا على يد الإسرائيليين، وكلهم لا يتحرك العالم للدفاع عنهم، فقط الانتقام يكون بأيدينا في عالم لا يفهم إلا لغة القوة.

وللأسف هناك عشرة الآلاف من التلاميذ والأطفال الفلسطينيين الذين قتلوا او تيتموا أو شردوا أو فقدوا مدارسهم طيلة حرب الإبادة الممتدة منذ أكثر من سبعة شهور، دون تحرك من العالم.

استشهاد تلاميذ بحر البقر، إندكس

قبل أن يميز تلاميذ بحر البقر أصوات تحليق الفانتوم الأمريكية التى دعمت بها السلاح الجوي الإسرائيلي ، كان تقصف مدرستهم، ويتحولون لجثث، وينتشر الدم على كراساتهم، وينتهى الدرس لعدم وجود مدرس ولا تلاميذ ولا مدرسة ليعلو صوت الدمار عن العلم والعمار.

ممدوح والتختة قبل الهجوم

، كان ممدوح يجلس على “تختة”، لا يعرف ماذا سيحدث، لم يكن درسة قد انتهى بعد، كان الصراخ وأصوات الطائرات يصم الأذان وترتجف معه قلوب الأطفال

، بعد ثواني قليلة خمد صوت ممدوح، وصعدت روح الطفل الصغير لبارئها، بعد أن خضبت دماءه الذكية كراسات الدرس، انتهي الدرس باستشهاد ممدوح، وكتب اسمه على لافتة من الرخام، لا تزال باقية حتى الآن.

يومها بدأ بالخبز وانتهى بدفن ابنها

والدة ممدوح الحاجة نبيلة تحكي جانب آخر من الحكاية، ففي يوم الأربعاء 8 أبريل 1970، كانت الأم تقوم بأعمالها اليومية، تخبز لأطفالها الخمسة بضع أرغفة من الخبز، عندما سمعت صوت دوي عالٍ في الساعة التاسعة صباحًا، الدوي كان عالٍ جدًّا، وهز معه المنزل، الذي تساقطت بعذ أجراء منه، وتطايرت الأبواب والشبابيك.

مانشيت الأهرام في يوم مذبحة بحر البقر، إندكس

عاد بعض أطفالها من المدرسة جريًا، ليخبروها النبأ الفاجع، العدو الإسرائيلي فجر مدرسة بحر البقر، وقتل العديد من الأطفال الأبرياء، هنا قلب الحاجة نبيلة كان يملؤه الخوف،

نظرت في أعين الأطفال فلم تجد ممدوح، سقطت على أرجلها، وحاولت القيام للبحث عن طفلها بين الأطفال الذين كانوا كانوا يخرجون جريًا من المدرسة.

ضرب مدرسة بحر البقر، إندكس

بعد دقائق قليلة، مرت على الحاجة نبيلة سنوات، شاهدت رجلين يحملات طفلها ممدوح، وأخبروها بالخبر الصادم، طفلها ممدوح استشهد على “دكته”، أثناء تلقيه الدرس،

كانت طائرات العدو لا تزال تحلق فوق رؤوس الأهالي، فنصوحها بمغادرة القرية بسرعة لدفن نجلها، وبالفعل قامت الأم المكلومة بدفن ابنها الشهيد إلى جوار والده، حكاية الطفل ممدوح يعتبرها البعض من الحكايات المنسية، لكنها لا تزال تدمي القلوب برغم مرور 54 على مذبحة بحر البقر.    

رخامة الشهداء

 خلفت المذبحة آلامًا شديدة لا تطويها السنين ، فأهالي قرية الصالحية بمركز الحسينية في الشرقية، لا ينسوا شيئا ، حيث ضمت قائمة الشهداء 30 اسم هم: (حسن  السيد محمد الشرقاوى، ومحسن سالم عبد الجليل محمد، وبركات سلامة حماد، وإيمان الشبراوى طاهر، وفاروق إبراهيم الدسوقى هلال، ومحمود محمد عطية عبد الله، وجبر عبد المجيد فايد نايل،

وعوض محمد متولي الجوهرى، ومحمد أحمد محرم، ونجاة محمد حسن خليل، وصلاح محمد إمام قاسم، وأحمد عبد العال السيد، ومحمد حسن محمد إمام، وزينب السيد إبراهيم عوض، ومحمد السيد إبراهيم عوض، ومحمد صبري محمد الباهي، وعادل جودة رياض كراوية، وممدوح حسنى الصادق محمد”.

المصابين في مدرسة بحر البقر، إندكس

كانت أصدق الكلمات التي خرجت وعبرت عن هؤلاء الأطفال الكلمات التي خرجت من الشاعر صلاح جاهين: “الدرس انتهى لموا الكراريس.. بالدم اللى على ورقهم سال.. فى قصر الأمم المتحدة.. مسابقة لرسوم الأطـفال.. ايه رأيك فى البقع الحمـرا.. يا ضمير العالم يا عزيزى.. دى لطفلة مصرية وسمرا.. كانت من أشطر تلاميذي”.

التلميذ الذي أصبح طبيبا لينقذ الناس

القدر لعب دور كبير مع الطبيب حمادة عمران، فقد حكى أنه في يوم 8 أبريل 1970، يوم مذبحة بحر البقر نجا من المذبحة بأعجوبة، فقال: “أبويا يوميها دب خناقة مع أمي على الصبح ومزاجه اتعكر، فلما شافني لابس المريلة اتعصب عليا وطلع غله فيا، وحلف ما أنا رايح المدرسة”.

شهداء بحر البقر، إندكس

كان القدر رحيمًا بالطبيب حمادة عمران، وكان قرار والده بعدم ذهابه في ذلك اليوم للمدرسة حكمة عظيمة، فقال حمادة “في هذا اليوم قرر والدي أن يأخذني معه الغيط، وأن أمسك بالفأس عندًا في أمي”،

وأضاف الطبيب “كان والدي يعرف أن أمي “موتها وسمها” إن حاجة تعطلني عن المدرسة، كانت عايزة تطلعني مهندس مثل خالي.. خالي الحاضر الغائب دايمًا في المناكفات والمعايرات بين أمي وأبويا!”.

واستمر حمادة عمران في سرد حكايته مع القدر، وعدم تواجده في مذبحة بحر البقر في ذلك اليوم، حيث قال: “قلعت المريلة، وارتديت عباءة واسعة ومبقعة تليق مع الوضع الذي أراه،

الغريبة إني كنت فرحان! كنت مخنوق من المدرسة وعايز أروح أي حتة إن شا الله جهنم..”.

ركب الحمار وراء أبيه فنجا من الموت

 واستمر الطبيب حمادة عمران في سرد حكايته في يوم مذبحة بحر البقر فقال: “ركبت الحمار ورا أبويا، ومرينا بطريق المدرسة، شاورت لخالد وصلاح وهم رايحين متكدرين وطلعتلهم لساني، ووصلنا للغيط الساعة الثامنة صباحًا، نزلت من على الحمار

وأمسكت بالفاس، رفعته بالعافية، قبل أن ينادي والدي عليّ بعصبية ويقولي: “هات الفاس ده وروح اقعد تحت الشجرة اللي هناك دي، واوعاك تاخد على كده، مدرستك أهم حاجة، هو النهاردة بس اللي هتريحه..”.

شهداء مدرسة بحر البقر، إندكس

وحكي الطبيب “كانت رغبة والدي في تعليمي ضعف رغبة أمي.. من ناحية أب لا يريد لابنه أن يضيع عمره في فِلاحة الأرض، فقد كان يقول: “بتبري الإنسان وتمص دمه”،

ومن ناحية تانية لو أنا اتعلمت هيرتاح من سيرة خالي، وهيكسب نقطة عند والدتي”.

“قعدت تحت الشجرة على القناية وأنزلت رجلي في المية، وبصيت للسما، كنت عكس كل العيال بحب شكل قرص الشمس أكتر من القمر، كنت بخاف من النجوم وسواد السما،

وبحب النهار وبستنى طلعته، كنت عيني زغللت من الظر للشمس، فأخدتها ونزلت على مية القناية”.

طلعت الشجرة أشوف اللى جوا الطيارة

ويحكي الطبيب عن لحظة الانفجار الذي وقع في مدرسته بحر البقر، فقال: “فجأة حصل اللي قطع تفكيري ورجعني أبص للسما تاني، صوت قوي هزني.. رفعت عيني فلقيت سرب طيارات قريبة

فرحت وهللت وقمت من مكاني أتنطط، طلعت الشجرة في ثانية قال يعني كدة هبقى قريب منهم وأشوف اللي جوة!”.

شهداء مذبحة بحر البقر، إندكس

“حسيت الشجرة بتتخلع بيا في نفس الوقت اللي سمعت فيه صوت تكسير وخبط ورزع، فغمضت عيني وحطيت صوابعي في وداني لحد ما الصوت راح واختفي وظهر مكانه صوت أبويا.. انت فين يا عامر؟، نطيت من على الشجرة وأنا مرعوب.

قلت هيرميني في الترعة أو هيحدفني بقالب طوب في دماغي، لكن لقيته بيجري عليا بلهفة وبيحضني بعنف، حضن طويل قطعه صوت صويت وصريخ جاي من القرية..”

صوت لطم الخدود اخترق أذني أكتر من صوت الطيارات

وقال الطبيب: “أبويا خدني في إيديه وجرينا ورا مصدر الصوت، لحد ما وصلنا المدرسة.. عمر المنظر اللي شفته ما فارق أحلامي من ساعتها، المدرسة على الأرض..

رجالة وستات البلد بيجروا من كل حتة في كل اتجاه، الستات كانوا بلبس البيت وبشعرهم عادي..

صوت اللطم على الخدود أقسملك اخترق أذني أكثر من صوت الطيارات والتكسير والرزع اللي سمعته من شوية!

 كل ده وأنا مش فاهم أي حاجة، لحد ما لقيت خالد وصلاح متشالين على الأكتاف ووشهم كله دم!

كانوا لا حركة ولا صوت ولا رمشة! ركنوهم على جنب، وراحوا يجيبوا غيرهم من تحت المدرسة المتساوية بالأرض..”.

مدرسة بحر البقر بعد قصف الفانتوم، إندكس

ويقول الطبيب: “وضعوا جنبهم أطفال كثير على نفس وضعهم، لا صوت ولا حركة ولا رمشة، واللي كان بيطلع حي كانوا بيركبوه على الجرارات الزراعية ويجروا بيه على الصالحية عشان يلحقوه، شفت تلاتين طفل من زمايلي ميتين،

وشفت إصابات تخلع القلب، ومع كل ده ما عيطش، ما صرختش، الموقف كان أكبر من استيعابي!”.

بقايا مدرسة بحر البقر، إندكس

“أمي ظهرت من المكان وحضنتني هي كمان بعنف، وأنا ولا داري، سحبتني من إيديا على البيت، وجلست أمامي تبصلي مستغربة حالة الصمت دي، غريبة على طفل شاف الهول!

ساد الصمت كل حاجة، حتى صويت الستات المكلومة على عيالها انقطع، حسيت بصداع من فرط الصمت، كان لازم أنفجر عشان أرتاح، لكن إزاي؟ مش قادر ومش عارف! “.

“كنت مستني أول حرف يتنطق من أمي أو أي صوت من الشارع عشان أنفجر، فجِه من الراديو.. أيها الإخوة المواطنون جاءنا البيان التالي.. أقدم العدو في تمام الساعة التاسعة وعشرين دقيقة على جريمة جديدة تفوق حد التصور،

عندما أغار بطائراته الفانتوم الأمريكية على مدرسة بحر البقر الابتدائية المشتركة بمحافظة الشرقية، وسقط الأطفال بين سن السادسة والثانية عشر تحت جحيم من النيران”.

ads

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *