جاءنا الآن
الرئيسية » جاءنا الآن » د.محمد بدري عيد يسطر: الشراكة الإضطرارية”.. تنمر ترامب على الحلفاء يُقرب المسافات بين أوروبا وبكين

د.محمد بدري عيد يسطر: الشراكة الإضطرارية”.. تنمر ترامب على الحلفاء يُقرب المسافات بين أوروبا وبكين

د.محمد بدرى عيد

أُسدل الستار على فعاليات الاجتماع السنوي لمنتدى دافوس الاقتصادي العالمي في سويسرا، على وقع انقسامات غير مسبوقة بين الحلفاء على ضفتي الأطلسي؛ الولايات المتحدة الأمريكية من جهة والدول الأوروبية وكندا من جهة أخرى.

وتجاوز الأمر حد التوتر والتصعيد المعتاد، إلى تبادل خطاب سياسي عدائي مُعلن ونادر بين الحلفاء التقليديين، واستخدام مفردات ليست فقط مسيئة بل و”فظة” أيضاً، أماطت اللثام عن مدى اتساع عمق الشرخ الاستراتيجي في العلاقات الأمريكية – الأوروبية خصوصاً، والأميركية-الأطلسية على وجه العموم، في لحظة تاريخية فارقة لمستقبل التحالف الغربي الأكبر والأهم في التاريخ المعاصر وبالأخص منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وشهدت جلسات منتدى (دافوس 2026م) كلمات وصفت بالأكثر حدة منذ سنوات خصوصا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من جهة مقابل قادة أوروبيين أبرزهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني من جهة أخرى.

د.محمد بدري عيد يسطر: الشراكة الإضطرارية”.. تنمر ترامب على الحلفاء يُقرب المسافات بين أوروبا وبكين

تنمر أميركي متزايد وتصدي أوروبي مضاد

بات مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين على المحك مع مطلع العام 2026م، بسبب تنمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاقتصادي والسياسي المفرط على العواصم الأوروبية وأعضاء حلف شمال الأطلسي “الناتو”، على خلفية أزمة جزيرة جرينلاند، ودور الحلفاء في حرب افغانستان خصوصاً، كما هاجم ترامب، كندا، بسبب علاقاتها التجارية المتنامية مع الصين.

فلم يتوقف تنمر ترامب على مجرد إطلاق تصريحات مسيئة إلى الحلفاء، بل تجاوز ذلك إلى “التصريحات الوقحة” ضدهم والاستهزاء بهم، والحط من مكانتهم والتقليل من قدراتهم واعتبار أنه لا قيمة لهم بدون واشنطن.

اعرف أكثر

تصعيد خطير في المظاهرات الأمريكية: المحتجون يلقون المتفجرات على عملاء فيدراليين ويحرق الأعلام ردا على عمليات القتل المكررة

 فقد انتقد ترامب، دور الدول الحليفة في (الناتو) خلال حرب أفغانستان بقيادة الولايات المتحدة في عام 2001م، واعتبر أن واشنطن “لم تكن بحاجة إليهم أبدا”، وأن قوات هذه الدول “بقيت على مسافة من خطوط المواجهة.

كما اتهم ترامب دول أوروبا وحلف (الناتو) باستغلال الولايات المتحدة لعقود من خلال السياسة التجارية والدفاع، مشددا على أنه “لا يمكن لأي دولة في العالم أن توجد دون دعم أميركا”.

د.محمد بدري عيد يسطر: الشراكة الإضطرارية”.. تنمر ترامب على الحلفاء يُقرب المسافات بين أوروبا وبكين

وبالتوازي، شن الرئيس الأميركي هجوما على كندا، وقال إنها “موجودة بفضل الولايات المتحدة” وأنها في الأصل “جزء” منها. وهدد بفرض رسوم جمركية باهظة بنسبة 100% على جميع البضائع الواردة إلى الولايات المتحدة من كندا إذا أبرمت الأخيرة اتفاقا تجاريا مع الصين.

في المقابل، رد الحلفاء بفوة غير مسبوقة على تنمر ترامب، ووصفوا انتقاده لدور الحلفاء في حرب افغانستان بـ”الخاطئ”، كما اصطفوا ضد محاولاته السيطرة على جرينلاند، وانتقدوا خلال منتدى دافوس ما وصفوه بالنظام الدولي الذي تسعى واشنطن إلى تكريسه عبر “حكم الأقوى”.

استدارة أوروبية – كندية نحو الصين

يرى كاتب هذه السطور أن اتساع الشرخ الاستراتيجي في جدار العلاقات الأميركية-الأطلسية، من شأنه أن يفسح المجال نحو مزيد من التقارب الاستراتيجي بين “حلفاء الأطلسي” من جهة والصين من جهة أخرى، لتدشين حالة خاصة من الشراكة التي تمليها مستجدات الواقع الراهن وتقتضيها متطلبات المستقبل.

وليس من الصعوبة بمكان أن يرصد الملاحظ السياسي، مؤشرات رسمية وشعبية عدة على الساحة الأوروبية، تصب في صالح هذه “الشراكة الاستراتيجية الإضطرارية- إن جاز لنا وصفها- بين بروكسل وبكين خصوصاً، وفي مقدمتها:  

د.محمد بدري عيد يسطر: الشراكة الإضطرارية”.. تنمر ترامب على الحلفاء يُقرب المسافات بين أوروبا وبكين

 – دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بناء علاقات قوية بين أوروبا والصين، وتحذيره من دخول العالم “حقبة حكم الأقوى” رافضا ما وصفه بـ”سلوك التنمر” الأمريكي، ومطالبته بتفعيل آلية مكافحة الإكراه الاقتصادي ضد سياسة زيادة الرسوم الجمركية التي تنتهجها واشنطن لإخضاع حتى حلفائها.

– انتقاد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، خلال كلمته أمام منتدى دافوس الاقتصادي، لاتجاه واشنطن نحو استبدال النظام العالمي اقلائم على القانون الدولي والمؤرسسات بأخر يستند إلى “الإكراه الاقتصادي” واستخدام الاندماج التجاري أداة للهيمنة..

اعرف أكثر

أجواء غير عادية بالمنطقة تزيد سيناريوهات الضربة الأمريكية المرتقبة لإيران

– تأكيد المستشار الألماني فريدريش ميرتس في “دافوس” أيضاً أن أوروبا “ليست تحت رحمة النظام العالمي الجديد القائم على الاستقواء، مشددا على أن القارة العجوز لديها الخيار في رسم المستقبل.

– رفض كندا وعدة دول أوروبية مهمة دعوة ترامب للانضمام إلى عضوية “مجلس السلام” الذي وقع ميثاق تأسيسه خلال مشاركته في منتدى دافوس 2026م.

د.محمد بدري عيد يسطر: الشراكة الإضطرارية”.. تنمر ترامب على الحلفاء يُقرب المسافات بين أوروبا وبكين

-الانفتاح الكندي المطرد على بكين، والذي برزت أحدث مؤشراته في زيارة رئيس الوزراء مارك كارني للصين خلال يناير الجاري، والتي أكد خلالها على أهميةـ “الشراكة الاستراتيجية الجديدة” لأوناوا مع ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم.

– أظهر استطلاع نشرت نتائجه وكالة الأنبء الفرنسية يوم الجمعة 23 يناير الجاري، أن نصف الأوروبيين المستطلعة آراؤهم في سبعة من بلدان الاتحاد يرون الرئيس الأميركي دونالد ترامب “عدوّا لأوروبا”.

اعرف أكثر

معبر رفح 2: هل هو لغم إسرائيلى جديد لتفجير اتفاق غزة؟

وإجمالاً، تراهن الدول الأوروبية وكندا على تحقيق مجموعة من المكاسب الاستراتيجية من خلال تقريب المسافات نحو الصين، وتعزيز الروابط السياسية والاقتصادي معها، وفي مقدمة ذلك:

1. تقليص الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية: تاريخياً، كانت أوروبا تجد نفسها مضطرة للاصطفاف خلف واشنطن في مواجهة الصين مقابل الحماية الأمنية. لكن مع تهديدات ترامب المتكررة لتقليص دور حلف “الناتو” واشتراط دفع “أثمان الحماية” عبر تنازلات تجارية، بدأت بروكسل تدرك أن التحالف الأطلسي لم يعد صكاً أمنياً مجانياً. 

د.محمد بدري عيد يسطر: الشراكة الإضطرارية”.. تنمر ترامب على الحلفاء يُقرب المسافات بين أوروبا وبكين

ويدفع اهتزاز الثقة في الولايات المتحدة، دول أوروبا إلى تعزيز الاستقلال الاستراتيجين وبخاصة عبر تحالفات مع قوى دولية موثوقة، مثل: الصين.

2. توفير شريك اقتصادي “غير متنمر”: ترى الدول الأوروبية أن الصين تمثل شريكاً اقتصادياً قوياً، موازياً إن لم يكن بديلاً، للولايات المتحدة الأميركية.

اعرف أكثر

متلازمة هافانا: كل ما تريدون معرفته عن السلاح المربك الغامض الذي استخدمته القوات الأمريكية خلال عملية خطف مادورو

 فقد ساد التوجس العواصم الأوروبية منذ ولاية ترامب الثانية، مطلع 2025م، حيث بدأ في شن الحروب التجارية وافرط في استخدام الرسوم الجمركية كأداة للإكراه الاقتصادي ضد الحلفاء والخصوم عل السواء، ضمن استراتيجيته الجديدة للسياسة الخارجية الأميركية تحت شعار “أميركا أولاً”.

د.محمد بدري عيد يسطر: الشراكة الإضطرارية”.. تنمر ترامب على الحلفاء يُقرب المسافات بين أوروبا وبكين

ومن ثم، بادرت الدول الأوروبية إلى اتخذا اجراءات مضادة لمواجهة هذا التنمر الاقتصادي الأميركي، ومنذ بين هذه الإجراءات إطلاق محادثات “التحوط الاقتصادي” بين بروكسل وبكين مطلع العام الحالي 2026م، لتقليل أثر الرسوم الأمريكية على سلاسل التوريد إلى أوروبا.

مراد القول: أدى تنمر ترامب إلى رفع مستوى الحذر الاستراتيجي لدى حلفاء واشنطن الأطلسيين، في أوروبا وكندا، مما يدفعهم إلى البحث عن “شريك ضرورة”ممثلاً في التنين الصيني، الذي لن يمثل بديلاً آنياً للحليف الأميركي، لكنه سيكون “موازناً وكابحاً استراتيجياً” لإي انفلات غير مأمون الاتجاه من الجانب الآخر على ضفاف الأطلسي حيث “العم سام”.

 وقد عبر نائب رئيس جمعية المحاربين القدامى سورن كنودسن في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية، بشكل دقيق عن المستقبل الغامض للتحالف بين واشنطن وبروكسل، بقوله: “الولايات المتحدة ما تزال مهمة جداً للدفاع الأوروبي ودفاع حلف الناتو. لكن، عندما يتصرف شخص بعدوانية كالتي أظهرها دونالد ترامب مؤخراً، يصعب عليّ القول إنني اعتبر الولايات المتحدة حليفا”.

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *