
ما وراء قرار نائب رئيس الوزراء ووزير الصناعة والنقل كامل الوزير بإنشاء أكبر مزرعة نخيل في العالم بسعة 2.3 مليون نخلة في توشكى والعوينات.
في وقت يعاني فيه الاقتصاد المصري من ضغوط غير مسبوقة، تُطرح مشروعات عملاقة تُسوَّق كـ”فرصة ذهبية للمستقبل”.
لكن خلف الشعارات…تكمن أسئلة جوهرية لا يجرؤ كثيرون على طرحها:
هل نحن أمام مشروع مدروس يخدم الأمن الغذائي ويعزز الاقتصاد؟
أم أمام تجربة جديدة غير مكتملة الرؤية قد تُرهق الدولة ماليًّا وبيئيًّا… وتعيد سيناريوهات سابقة لم تحقق أهدافها؟
المعركة الخفية: تحديات المياه التي لا تُحكى
مياه ما بعد الحصاد…”التحدي الحقيقي: مياه وحدات التجهيز، لا مياه الري”
خلال مراحل غسيل وتجهيز التمور بعد الحصاد، تنتج الكميات المزروعة حوالي 5–8 مليون لتر يوميًّا من مياه الصرف الملوثة بالمبيدات.
معالجة هذه الكميات تتطلب استثمارات دورية تصل إلى 2–4 مليون جنيه شهريًّا — تكلفة غالبًا ما تُهمل في الحسابات الأولية.
تراجع احتياطي المياه الجوفية
في توشكى، ينخفض منسوب المياه الجوفية بمعدل 3–5 أمتار سنويًّا.
بما أن الخزان غير متجدد، فإن العمر الافتراضي الفعلي للمشروع قد لا يتجاوز 15 سنة، بدلًا من التقديرات المعلنة البالغة 30 سنة.
العمالة والتلقيح: عنصر حرج يُهمَل
لإدارة 2.3 مليون نخلة، يحتاج المشروع إلى:
– 500–700 عامل متخصص في موسم التلقيح (الذي يستمر أسبوعين سنويًّا)
– 2000–3000 عامل في موسم الحصاد
التكلفة السنوية للعمالة الماهرة تتجاوز 25–35 مليون جنيه، دون احتساب الإسكان أو النقل.
غضب الطبيعة: آثار بيئية صامتة
– جذب القوارض والآفات بأعداد كبيرة
– تغيّر أنماط هجرة الطيور والحياة البرية
– احتمالية ظهور أمراض نباتية جديدة، خاصة مع الكثافة العالية للزراعة
– سوسة النخيل وحدها قد تهدد 30% من الإنتاج، بتكلفة مكافحة سنوية تصل إلى 20 مليون جنيه
السوق العالمي: منافسة شرسة وغير متوازنة
– دول أخرى تنتج بجودة أعلى وتكلفة أقل
– بعض الأسواق تبيع التمور بأسعار أقل بـ 40%
– الاتحاد الأوروبي يفرض جمارك تصل إلى 12% على التمور المصرية
→ دون تصنيع محلي (مثل معجون التمر أو شرابه)، يبقى المنتج الخام غير مُنافس
تخزين بارد… على مسافة بعيدة
– تكلفة التخزين البارد: 3000–4500 جنيه للطن سنويًّا
– يتطلب المشروع مستودعات مبردة على مساحة 100 فدان
– الاستثمار الأولي: 200 مليون جنيه
التحدي اللوجستي: 1300 كم قبل التصدير
– تكلفة نقل الطن من توشكى إلى الإسكندرية: 750 جنيه (مقارنة بـ250 جنيه من الوادي الجديد)
– خسائر خلال النقل قد تصل إلى 15% من الإنتاج
– نقل العمالة: 100 أتوبيس يوميًّا، بتكلفة 5 مليون جنيه شهريًّا
بنية تحتية: استثمارات إضافية ضخمة
– محطة كهرباء 50 ميجاوات: 300 مليون جنيه
– طرق داخلية بطول 100 كم: 200 مليون جنيه
– مدينة سكنية لـ10 آلاف عامل: 500 مليون جنيه
→ التكلفة الإجمالية التقديرية: 7–8 مليار جنيه (مقابل 3–4 مليار معلن)
دروس الماضي: خبرات لم تُستوعب
بركة غليون:
– التكاليف التشغيلية فاقت العوائد بـ 35%
– مشاكل الصرف كلفت 120 مليون جنيه إضافية
– جودة المنتج انخفضت 40% عن المتوقع
مشروعات الأسماك:
– 70% لم تحقق عائدًا خلال 3 سنوات
– التكاليف الفعلية تجاوزت المخطط بنسبة 60–80%
– مشاكل التسويق أدت لفقد 30% من الإنتاج
ثانيًا: احتمالات بديلة لم تُذكر – بديل مصري ذكي
1. استخدام مياه الري غير التقليدية (TWW)
يمكن معالجة مياه الصرف الزراعي من الوادي الجديد أو محطات توشكي القائمة لإعادة استخدامها، مما يقلل الضغط على المياه الجوفية.
2. الاعتماد على الكفاءات المصرية في التشغيل
يوجد الكثير من كيانات القطاع الخاص المصري — مثل مجموعة الفطيم الزراعية، اتحاد منتجي التمور، وشركة النخيل للتنمية — قادرة على إدارة مزارع النخيل الضخمة بتكاليف أقل 20–30% عبر الأتمتة والتكامل مع سلاسل التعبئة والتصدير، دون الحاجة لأي شريك أجنبي.
3. التكامل مع الصناعات التحويلية
بدلًا من تصدير التمر الخام، يمكن إنتاج معجون التمر، شراب التمر، مسحوق التمر — وهو ما يرفع القيمة المضافة 5–10 مرات، ويقلل تأثير الجمارك الأوروبية.
4. نموذج “مزرعة ذكية” (Smart Farming)
استخدام الري الذكي، الطائرات المُسيرة، أنظمة مراقبة الآفات يمكن أن يقلل:
– العمالة 40%
– استهلاك المياه 25%
– خسائر النقل 10%
5. منح تراخيص “استخدام” لا “تمليك” للأراضي
كما أشرت سابقًا: بدل بيع الأصول، يمكن منح حق الانتفاع لمدة 20–30 سنة لمستثمرين مصريين وطنيين، مع شروط إنتاج وتصدير، مما يضمن:
– دخلًا مستمرًا للدولة
– عدم التفريط في السيادة
– تحمل المستثمر تكلفة البنية التحتية
ثالثًا: مخاطر لم تُحسب بدقة
| الخطر | ما يجب إضافته
| تغير المناخ | ارتفاع درجات الحرارة فوق 48°م يقلل إنتاجية التمر 20–30% |
| الاعتماد على سلالة واحدة | خطر انتشار مرض (مثل Bayoud) قد يفني المحصول كله |
| الربط بالشبكة القومية | تكلفة ربط 100 كم طرق بالشبكة القومية تتجاوز 500 مليون جنيه |
| ضمان تسويق الإنتاج | لا اتفاقات تصدير مسبقة (LOIs) مع مشترين أوروبيين أو آسيويين |
توصية استراتيجية نهائية:
> المشروع ليس خاطئًا من حيث الفكرة، لكنه مُخطَّط له كمشروع “بنية تحتية” وليس “مشروع إنتاجي ذكي”.
> لإنقاذه، يجب:
> – خفض الحجم إلى 500,000–700,000 نخلة في مرحلة أولى
> – الشراكة مع مشغلين مصريين ذوي خبرة (ليس فقط ممولين)
> – ربطه بصناعات تحويلية من اليوم الأول
> – اعتماد نموذج انتفاع، لا بيع أو تملك
> – إجراء دراسة جدوى منقحة تشمل تحليل الحساسية للمياه، المناخ، والسوق
الخلاصة:
المشروع يواجه تحديات هائلة قد تؤدي إلى:
– احتمالات تعثره اقتصاديًّا تحت الظروف الحالية
– محدودية قدرته على تحقيق عائد حقيقي
– استنزاف موارد نادرة (مياه، تمويل، طاقة) يمكن توجيهها لمشروعات أعلى جدوى
التوصية:
إعادة دراسة المشروع بشكل شامل،
والتحول من نموذج “المزرعة العملاقة الوحيدة” إلى نموذج تعاوني، موزع، ومصري 100%.
د. سالي صلاح
خبيرة التخطيط الاستراتيجي والاقتصاد والتسويق الدولي
CEO – Smart Strategic Business Solutions
