
ليس من العدل أن نربط أعمال الخير بشهر رمضان فقط، وكأن الرحمة لها موسم محدد، أو أن العطاء يرتبط بتوقيت بعينه من العام. فالاحتياج لا ينتظر شهرًا، والألم لا يعرف تقويمًا، والإنسانية الحقيقية لا تُختزل في ثلاثين يومًا ثم تُطوى صفحتها مع نهاية الشهر الكريم.
الخير ليس فعلًا موسميًا، بل أسلوب حياة، ومسؤولية مستمرة تجاه المجتمع، خاصة من القادرين وأصحاب الإمكانيات. وحين يتحول العطاء من صدقة عابرة إلى مشروع دائم، يصبح أثره أعمق، وقدرته على تغيير الحياة أكبر.
ومن بين النماذج المصرية الملهمة التي جسّدت هذا المفهوم عمليًا، تبرز سيدة الأعمال هبة السويدي، التي لم تكتفِ بالنجاح في عالم المال، بل قررت أن تمنح نجاحها بُعدًا إنسانيًا ممتدًا عبر العام كله. فكان تأسيس مؤسسة أهل مصر للتنمية خطوة أولى نحو حلم أكبر، تُوِّج بإنشاء مستشفى أهل مصر للحروق أول مستشفى متخصص لعلاج الحروق بالمجان في مصر والشرق الأوسط.

الحروق ليست مجرد إصابة عابرة، بل مأساة تمتد آثارها الجسدية والنفسية لسنوات. تحتاج إلى علاج دقيق، وتأهيل طويل، ودعم نفسي يعيد للمصاب ثقته بنفسه وحياته. هنا لم يكن الهدف مجرد إنشاء مبنى طبي، بل بناء منظومة إنسانية متكاملة تعيد ترميم الإنسان من الداخل قبل الخارج.
الفرق كبير بين تبرع عابر في موسم، ومشروع يُدار بعقلية مؤسسية تخطط للاستمرار والتوسع. تجربة هبة السويدي تؤكد أن العمل الخيري حين يُبنى على رؤية واضحة وإدارة محترفة، يتحول إلى نموذج تنموي قادر على سد فجوات حقيقية في المجتمع.
الخير لا ينبغي أن يكون استجابة عاطفية مؤقتة، بل التزامًا أخلاقيًا دائمًا. فالمجتمعات القوية تُبنى حين يدرك أصحاب الثروات أن نجاحهم يرتبط بمسؤوليتهم تجاه الناس الذين يعيشون بينهم.

لو تبنّى كل رجل أعمال مشروعًا مستدامًا يخدم قضية مجتمعية ، مستشفى، مدرسة، مركز تدريب، برنامج دعم نفسي، لتغيّر وجه الحياة في مناطق كثيرة تعاني بصمت.
إن تجربة مستشفى أهل مصر ليست مجرد قصة نجاح فردي، بل دعوة مفتوحة لأن يتحول العطاء إلى ثقافة عامة، وأن يدرك كل مقتدر أن جزءًا من ثروته هو استثمار في الإنسان.
فالخير الحقيقي لا يُقاس بعدد الصور في موسم، بل بعدد الأرواح التي تستعيد الأمل طوال العام.
وحين يصبح العطاء أسلوب حياة… يصبح المجتمع بأكمله أكثر إنسانية.
