جاءنا الآن
الرئيسية » نشرة الأخبار » دعاء فؤاد تسطر: جريمة كرموز..قراءة في عقل دمره اليأس

دعاء فؤاد تسطر: جريمة كرموز..قراءة في عقل دمره اليأس

دعاء فؤاد

استيقظنا صباح أمس على جريمة تقشعر لها الأبدان، وتُصيب القلب قبل العقل بوجعٍ لا يُحتمل. في حى كرموز بمحافظة الإسكندرية، وقعت مأساة إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ أم مصرية لستة أبناء، كانت تعيش حياة تبدو عادية حتى داهمها المرض، واشتدت عليها قسوة الظروف.

كانت هذه الأم متزوجة من رجل يحمل الجنسية الأردنية، وكانت تقيم معه في المملكة العربية السعودية، إلى أن أصيبت بمرض السرطان، فبدأت الخلافات تتصاعد، وانتهت بعودتها إلى مصر، إلى مسقط رأسها في الإسكندرية. هناك، لجأت إلى أهلها طلبًا للسند، لكنها كانت تحمل عبئًا ثقيلًا: ستة أطفال، ومرض ينهش جسدها، ومسؤوليات تفوق طاقتها.

لم تجد من الزوج دعمًا حقيقيًا، فكانت الأموال التي يرسلها لا تكفي للحد الأدنى من المعيشة، فضلًا عن تكاليف العلاج الباهظة، ثم انقطعت تمامًا. ومع مرور الوقت، وجدت نفسها في مواجهة قاسية مع الفقر، والمرض، والوحدة.

وسط هذا الظلام، اتخذت الأم قرارًا صادمًا، حين لجأت إلى فكرة مأساوية للتخلص من أبنائها، بمساعدة الابن الأكبر، الذي تحوّل من إبن إلى أداة في تنفيذ الجريمة، فقتل أشقاءه واحدًا تلو الآخر، ثم أنهى حياة أمه، وحاول الانتحار، قبل أن ينقذه الجيران في اللحظة الأخيرة.

هنا، لا يمكن الاكتفاء بإدانة الجريمة، رغم بشاعتها، بل يجب التوقف أمام ما وراءها.

كيف يمكن لأم أن تتجرد من مشاعرها بهذه الصورة؟

الإجابة ليست بسيطة، لكنها غالبًا ترتبط بما يُعرف في علم النفس بـ”الاكتئاب الحاد المصحوب باليأس”. هذا النوع من الاضطرابات قد يدفع الإنسان إلى فقدان الإحساس بالأمل، بل ويشوّه إدراكه للواقع، فيرى أن إنهاء المعاناة حتى لو كان بطريقة مأساوية هو نوع من “الرحمة”.

في بعض الحالات، قد تتكوّن لدى الأم قناعة مشوهة بأنها تنقذ أبناءها من مستقبل مظلم مليء بالفقر والمرض والتشرد، خاصة إذا كانت تشعر بالعجز الكامل عن حمايتهم أو رعايتهم. وهنا تتحول الأمومة، تحت ضغط الألم النفسي الشديد، إلى سلوك غير عقلاني، مدفوع باليأس وليس القسوة.

لكن السؤال الأهم: لماذا لم تُنهِ حياتها وحدها؟

لأنها في هذه الحالة النفسية لم تكن ترى أبناءها قادرين على الحياة بدونها، أو ربما لم تثق في أن الأب سيتحمل مسؤوليتهم، فاختلط الخوف باليأس، وتحوّل إلى قرار مأساوي.

ولا يمكن الحديث عن هذه المأساة دون التوقف أمام دور الأب، الذي لم يحمل سلاحًا، لكنه كان شريكًا في الجريمة بصمتٍ قاسٍ. فالتخلي عن زوجة مريضة وستة أطفال، وتركهم يواجهون المرض والفقر وحدهم، ليس مجرد تقصير، بل شكل من أشكال العنف غير المباشر.

حين يتحول الأب من مصدر أمان إلى غياب بارد، يصبح هذا الغياب قاتلًا بطيئًا، ينهش في أرواح من كان مسؤولًا عن حمايتهم. فالإهمال المادي والمعنوي قد لا يُسفك دمًا بيد صاحبه، لكنه قد يدفع الآخرين إلى حافة الهاوية، حيث تختلط القرارات باليأس، وتصبح النهاية مأساة يتحمل وزرها كل 

من تخلى، أو تجاهل، أو أغلق عينيه عن الوجع.

ورغم هذا التحليل، تظل هناك مسؤولية مجتمعية لا يمكن 

تجاهلها.

فأين كانت الجمعيات الخيرية؟

أين كان الجيران؟

أين كانت أعين المجتمع التي يفترض أن ترى “المتعففين” الذين لا يطلبون المساعدة رغم احتياجهم الشديد؟

كم من بيوتٍ مغلقة تخفي خلف جدرانها معاناة لا تُرى؟

كم من أم تصارع المرض والفقر في صمت، خوفًا من السؤال أو حفاظًا على كرامتها؟

المتعففون هم الفئة الأكثر احتياجًا، لأنهم لا يصرخون، ولا يمدّون أيديهم، بل يختارون الصمت حتى ينهاروا.

هذه الجريمة ليست مجرد حادثة قتل، بل هي جرس إنذار مدوٍ في وجه مجتمع بأكمله.

هي صرخة تقول لنا إن الألم حين يُترك دون احتواء، قد يتحول إلى كارثة.

وأن الفقر حين يجتمع مع المرض والوحدة، قد يدفع الإنسان إلى ما لا يُتخيّل.

ربما رحلت هذه الأم وأبناؤها، لكن رسالتهم باقية:

أن نبحث عن المحتاج قبل أن يطلب،

أن نطرق الأبواب المغلقة بدافع الرحمة،

أن نرى من لا يُرى، ونسمع من لا يتكلم.

لأن إنقاذ إنسان واحد من اليأس…

قد يعني إنقاذ حياة كاملة من السقوط في الهاوية

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *