جاءنا الآن
الرئيسية » جاءنا الآن » دعاء فؤاد تسطر: بين القسوة والعقوق..ما الذي يدمر علاقة الأم والأبناء؟

دعاء فؤاد تسطر: بين القسوة والعقوق..ما الذي يدمر علاقة الأم والأبناء؟

دعاء فؤاد

في زمنٍ أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي مرآةً تعكس أدق تفاصيل حياتنا، انتشر مقطع فيديو لأم تدعو على بناتها الثلاث بكلماتٍ قاسية هزّت مشاعر الكثيرين.

انقسمت الآراء سريعًا بين من أدان الأم ورأى في فعلها قسوةً لا تغتفر، ومن تساءل: ماذا حدث لتصل أم إلى هذه الدرجة من الألم والدعاء على فلذات كبدها؟

الحقيقة أن المشهد، رغم قسوته الظاهرة، لا يمكن قراءته من زاوية واحدة. فالأم بطبيعتها رمز للحنان والعطاء، لكنها أيضًا إنسانة لها طاقة محدودة من الصبر، وقد تختزن داخلها سنواتٍ من الضغوط النفسية والتراكمات العاطفية التي لا تجد منفذًا للتفريغ.

فالدعاء القاسي من الأم قد لا يكون دائمًا تعبيرًا عن كراهية حقيقية، بل قد يكون انعكاسًا لحالة من الاحتقان النفسي والشعور بالعجز. حين تشعر الأم بأنها فقدت السيطرة على علاقتها بأبنائها، أو أن جهودها في التربية قوبلت بالجحود أو الإهمال، قد تنفجر بطريقة مؤلمة، تستخدم فيها الكلمات كسلاحٍ أخير بعد أن عجزت كل وسائل الاحتواء الأخرى.

في علم النفس، يشار إلى هذا النوع من السلوك بأنه تفريغ انفعالي سلبي ناتج عن تراكم الإحباط، وقد يصاحبه شعور عميق بالوحدة أو فقدان التقدير. فالأم التي تعطي بلا مقابل، تنتظرولو بشكل غير معلن قدرًا من الحب والاحترام، وإذا لم تجده، قد تتحول مشاعرها إلى غضب جارح.

لكن الصورة لم تقف عند حدود مقطع الفيديو وحده، فمع تداول الواقعة خرجت روايات متباينة زادت المشهد تعقيدًا. فعند الحديث مع الأم، أكدت أن بناتها جاحدات، وأنها قدمت لهن كل ما تملك ولم تجد سوى التجاهل وسوء المعاملة.

وعلى الجانب الآخر، روت إحدى البنات رواية مختلفة تمامًا، مشيرة إلى أنهن تعرضن لسنوات من القسوة والظلم، بل وامتد الأمر بحسب قولها إلى إطلاق اتهامات تمس سمعتهن على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما ترك داخلهن جرحًا نفسيًا عميقًا.

هذا التناقض الصارخ في الروايات يعكس حقيقة مهمة: أن كل طرف يرى نفسه ضحية، ويبرر ألمه بطريقته الخاصة، لتتحول العلاقة من رابطة أمومة إلى ساحة تبادل اتهامات، يغيب فيها صوت الفهم، ويعلو فيها صدى الجراح القديمة.

ومن هنا، يصبح الحكم على الموقف أكثر تعقيدًا، لأننا لا نرى الحقيقة كاملة، بل نرى وجوهًا متعددة لها، لكلٍ منها ألمه الخاص وروايته التي يؤمن بها.

والسؤال هنا هل يمكن أن يدفع عقوق الأبناء الوالدين إلى هذه المرحلة؟

طالعوا مقالات الكاتبة

دعاء فؤاد تسطر: السائرون نيامًا..غفلة تهدم العلاقات كما تدمر الأوطان

دعاء فؤاد تسطر: جريمة كرموز..قراءة في عقل دمره اليأس

دعاء فؤاد تسطر: الأمهات المعيلات في مواجهة دراما الأب..حين تتجاهل الشاشة نصف الحقيقة

نعم، فالعقوق ليس مجرد خلاف عابر، بل هو جرح نفسي عميق. حين يشعر الأب أو الأم بأن أبناءهم يتجاهلونهم، أو يسيئون معاملتهم، أو يتخلون عنهم في أوقات الحاجة، فإن ذلك قد يولّد إحساسًا قاسيًا بالخذلان.

لكن السؤال الأهم

هل يبرر هذا العقوق قسوة الأم؟

الإجابة ليست سهلة. فبينما يمكن تفهّم الألم، يظل التعبير عنه بهذه الصورة مؤلمًا ومرفوضًا في نظر المجتمع، لأن العلاقة بين الأم وأبنائها تقوم  في أساسها على الرحمة لا الانتقام.

ففي بعض الحالات، قد تكون الأم نفسها مصدر الألم، سواء بالقسوة المستمرة، أو التفرقة بين الأبناء، أو استخدام الإهانة كوسيلة للتربية.

هنا ينشأ نوع آخر من الصراع، حيث يشعر الأبناء بالظلم، وقد يصل بهم الأمر إلى الانسحاب العاطفي أو حتى التخلي.

لكن التخلي ليس حلًا… بل هو كسرٌ إضافي في علاقة مكسورة أصلًا. فالهروب لا يعالج الجرح، بل يتركه ينزف في صمت لدى الطرفين.

دعاء فؤاد تسطر: بين القسوة والعقوق..ما الذي يدمر علاقة الأم والأبناء؟

وغالبًا، الحقيقة ليست أبيض أو أسود، بل منطقة رمادية مليئة بسوء الفهم، والتراكمات، والاحتياجات غير الملبّاة.

أمٌ تشعر بأنها لم تُقدر

وأبناء يشعرون أنهم لم يحتوَوا

فتتحول العلاقة من ملاذٍ آمن إلى ساحة صراع صامت أو معلن.

الأم ليست ملاكًا لكنها أقرب البشر إلى معنى الرحمة.

والأبناء ليسوا ملائكة لكنهم الامتداد الطبيعي لقلبها.

واجب الأم أن تمنح أبناءها الحب دون أن تثقلهم بجراحها، وأن تكون ملجأً لا مصدر خوف.

وواجب الأبناء أن يردّوا هذا الحب تقديرًا واحترامًا، لا مجرد كلمات، بل أفعالًا تُشعرها بأنها لم تذهب سُدى.

 ففي نهاية المطاف

لا توجد قسوة أشد من قلبٍ كان يومًا بيتًا دافئًا ثم أصبح غريبًا،

ولا ألم أعمق من أم تشعر أن أبناءها الذين حملتهم في قلبها… لم يعودوا يحملونها في قلوبهم.

عن الكاتب

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *